حماس وحتمية التحوّل
الكاتب: رأي المسار
حدث ما حدث في غزة، قبل السابع من أكتوبر وبعده، كانت بطلة المشهد الفلسطيني حركة حماس، وبصورةٍ ثانويةٍ جداً شاركتها بعض الفصائل، إمّا بالتبني أو بالقتال الجزئي.
في الأشهر الأولى للحرب، كان واضحاً أن إسرائيل لن تتوقف عند الانتقام والعقوبة، بل ستذهب إلى حرب إبادةٍ ماديةٍ على غزة، وحرب نفوذٍ وسيطرةٍ على الضفة، وحربٍ إقليميةٍ تؤمّن لإسرائيل نفوذاً وصفه بنيامين نتنياهو بأنه كونيٌ.
وصلت الأمور أخيراً إلى قرار تسليم أو تخزين سلاح حماس، وكذلك البحث عن دورٍ لها في غزة لا يتجاوز المساعدة الإدارية ولو بحجمٍ متواضع، وتحوّلت غزة إلى مستوطنةٍ أمريكيةٍ دولية، يقود ترتيباتها مجلس السلام الأمريكي، الذي مهما وُضعت له من ديكوارتٍ إقليميةٍ ودولية، يظلّ أمريكياً في التأثير والمآلات.
الفلسطينيون لم يبرعوا في دراسة تجاربهم، وخصوصاً المأساوية منها، فما أسرع أن ينسوا خسائر فادحةً تكبّدوها جرّاء حروبٍ ذهبوا إليها أو فُرضت عليهم، خسروا في عامي 70/71 كل سلاحهم الكثيف الذي توفّر لديهم في الأردن، الخسارة لم تكن بالسلاح فقط، بل كانت في الجغرافيا الأثمن التي عرف الفلسطينيون بعد خسارتها كم كانت أساسيةً في كفاحهم وسعيهم لتحرير بلدهم وإقامة دولتهم.
وخسر الفلسطينيون بعد ذلك الساحة السورية، ثم بعدها الساحة الأهم وهي اللبنانية، وحملتهم البواخر إلى شواطئ البحار والمحيطات البعيدة، قلّدوا أنفسهم أوسمة الصمود والبطولة، ولكنهم دفعوا أثماناً باهظةً للخروج من الجغرافيا الثمينة إلى متاهات السياسية والاستقطابات المعقدّة.
لم يحدث أن دُرست هذه التجارب من أجل استخلاص العبر منها، ومع استغراق الجميع في أعباء ما بعد خسارة الساحات، نُسي كل ما سبق وكأنه لم يكن.
هذا ما كان في الماضي وهو ليس بعيداً على كل حال، أمّا في الحاضر فقد خسر الفلسطينيون غزة، ودفعوا مئات ألوف الشهداء والجرحى في حرب إبادةٍ قاتلت فيها حماس وحدها إسرائيل بكل ما تملك من سلاحٍ وإمكاناتٍ وتحالفات، وانتقلت أطماع إسرائيل من غزة إلى الضفة، بحيث صرنا نسمع كل يوم توعداتٍ بالتهجير والضم، وكأن الإبادة البشرية في غزة هي مقدمةٌ وضرورةٌ للإبادة السياسية في الضفة.
أين وصلنا الآن؟
تجري مفاوضاتٌ شاقةٌ في غزة لإيجاد مخرجٍ من السلاح الذي لم يعد ضمانةً بل عبئاً، ويجري في الضفة جهدٌ لا مردود له ليس لطرد الاحتلال عنها ووقف الاستيطان فيها بل لكي تبقى السلطة على قيد الحياة ولو على أجهزة تنفسٍ اصطناعي.
هذا هو الواقع الذي لا يحتاج إلى بياناتٍ ووعودٍ إنشائيةٍ للخروج منه، بل يحتاج إلى جهودٍ جدّيةٍ توظف كل طاقات الشعب الفلسطيني، وهي كثيرةٌ ونوعيةٌ على أرضها، في سياسةٍ مدروسةٍ واقعيةٍ تحافظ على ما لدى الشعب الفلسطيني من أرصدةٍ أنتجها نضالٌ قويً وطويل الأمد، وتُعطي للعالم الذي يريد حقاً قيام دولةٍ فلسطينية سبباً ومنطقاً لرهاناته على ذلك، بدليل أن الفلسطينيين يعملون بهمّةٍ ونشاطٍ ومسؤولية، ليس فقط للبقاء على أرضهم وإنما لخلق حقائق سياسيةٍ توصلهم إلى هدف الدولة.
نعود إلى حماس، التي لم ينكر الفلسطينيون يوماً أنها جزءٌ من نسيجهم الاجتماعي والتاريخي والوطني، وهي الآن أمام اختبارٍ جدّيٍ للتحوّل من حالٍ إلى حالٍ آخر، لم يكن ولن يكون مطلوباً رفع الراية البيضاء والاستسلام، وإنما الانخراط كليةً وبعمق مع الكل الفلسطيني في صيغة وحدةٍ وطنيةٍ تتبنى برنامجاً واحداً وأهدافاً محددة، فهذا هو ناموس حركات التحرر في العالم وخصوصاً تلك التي انتصرت.
تحدثت حماس عن أنها حصلت على ضماناتٍ بممارسة دورٍ سياسيٍ بعد الانتهاء من حكاية السلاح، فمن هو الذي يُعطي هذه الضمانات؟ هل هي أمريكا؟ هل هي إسرائيل؟ هل هم الوسطاء؟ إن الذي يعطي حماس الضمانات هي حماس نفسها، وكيف ستقرر الاندماج المطلق في الحالة الفلسطينية، كحالةٍ وطنيةٍ يقف العالم كله معها ما دامت تُحسن اختيار أهدافها وأدواتها.
جيدٌ أن تتحدث حماس عن الانخراط في الانتخابات المحتملة، وهذا احتكامٌ لصندوق الاقتراع بدل الاحتكام إلى أي خيارٍ آخر، والمسألة في هذه الحالة لن تكون فوزاً أو إخفاقاً، بل يفترض أن تكون بوابةً مشرعةً وواسعةً للدخول إلى وحدةٍ وطنيةٍ حقيقيةٍ لا أمل بالتقدم خطوةً واحدة نحو أهدافنا الوطنية إلا إذا أنجزناها بإخلاصٍ وإتقان.



