الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:13 AM
الظهر 12:28 PM
العصر 3:51 PM
المغرب 6:27 PM
العشاء 7:42 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

السؤال هل ستجري الانتخابات أم لا يكشف أزمة الحكم

الكاتب: نبهان خريشة

حين يسأل الفلسطينيون "هل ستجري الانتخابات التشريعية أم ستؤجل مرة أخرى؟"، فإنهم لا يعبرون عن فضول تجاه حدث سياسي مقبل، بل يكشفون عن أزمة عميقة في علاقتهم بالنظام الذي يحكمهم. ففي الحياة الديمقراطية، ينصرف النقاش إلى البرامج والمرشحين وفرص الفوز وشكل التحالفات. أما حين يصبح أصل إجراء الانتخابات موضع تخمين، فإن المشكلة تسبق المنافسة وتطال القواعد التي يفترض أن تنظمها. المواطن هنا لا يسأل عمن سيمنحه صوته، وإنما عما إذا كان سيمنح أصلًا حق استخدام هذا الصوت.

ليس هذا الشك نزعة تشاؤمية بلا أساس. فالناس يبنون توقعاتهم على ما عاشوه، وعلى المسافة التي اختبروها بين الإعلان والتنفيذ. وتجربة عام 2021 حاضرة في هذا السياق، إذ صدر المرسوم وحددت المواعيد، ومضت العملية الانتخابية حتى انتهاء مرحلة الترشح، ثم صدر قرار التأجيل، معللا بعدم توفر شروط إجراء الانتخابات في جميع الأراضي الفلسطينية، وفي مقدمتها القدس. هذه السابقة تجعل الإعلان عن أي استحقاق لاحق غير كاف، بمفرده، لإقناع المواطن بأن الطريق سينتهي عند صندوق الاقتراع.

المسألة، إذن، تتعلق بصدقية الالتزام السياسي. يستطيع المواطن أن يرى الاستعدادات، وأن يسمع تصريحات مطمئنة، لكنه يظل يتساءل عما إذا كانت هذه الإجراءات محمية من قرار يأتي في اللحظة الأخيرة. وحين تنفصل الجاهزية الفنية عن ضمانة التنفيذ، تصبح كل خطوة قابلة لقراءتين: خطوة نحو الانتخابات، أو خطوة في مسار يمكن إيقافه. وهذا يفسر لماذا لا تكفي كفاءة لجنة الانتخابات لإزالة الشك؛ فالجهة التي تنظم الاقتراع لا تملك، وحدها، ضمان استمرار القرار السياسي بإجرائه.

ومن هنا تأتي خطورة إخضاع الانتخابات لإرادة الرئيس وحساباته. فإذا ظل الاستحقاق قابلًا للتعطيل وفقا لتقدير من يشغل موقع الحكم، نشأ تضارب واضح بين مصلحة الحاكم ومصلحة النظام الديمقراطي. فالانتخابات قد تغير موازين القوى، وتمنح خصوم السلطة مواقع مؤثرة، وتفتح أبواب المساءلة. ولا يستقيم أن يكون الطرف الذي يمكن أن تتضرر مصالحه من هذه النتائج هو نفسه صاحب الكلمة الحاسمة في السماح بالمنافسة أو وقفها. المؤسسات وجدت، في أحد أهم أدوارها، لمنع هذا التضارب من التحول إلى قاعدة حكم.

ويجب التمييز هنا بين الانتخابات التشريعية والرئاسية. فانتخاب مجلس تشريعي جديد لا يطيح بالرئيس تلقائيًا، لكنه قد ينهي قدرته على إدارة الشأن العام في غياب رقابة تمثيلية فعالة. قد يفرض المجلس نقاشًا جديًا حول الموازنة، ويسائل الحكومة، ويراجع التشريعات، ويكشف اختلالات الإدارة والإنفاق. لذلك يمكن فهم خشية القيادة من الانتخابات التشريعية بوصفها خشية من فقدان حرية التصرف المنفرد، أو من تراجع نفوذ جماعتها داخل النظام، حتى إذا لم يكن منصب الرئيس نفسه مطروحًا مباشرة على ورقة الاقتراع.

لكن فهم هذه المصلحة لا يعني الجزم بالنوايا. لا يمكن إثبات أن كل حديث عن التأجيل يصدر حصرًا عن الخوف من الخسارة. ويمكن، في المقابل، مساءلة السلوك والمعايير، مثل "هل تجري معالجة العقبات منذ البداية؟ هل تعلن البدائل؟ هل يظل موعد الاقتراع ثابتا عندما تتراجع فرص القوى الحاكمة؟ وهل تقبل القيادة نتائج لا تمنحها الأغلبية؟"، وهذه أسئلة مشروعة، لأن صدقية الالتزام بالديمقراطية تظهر عندما تصبح كلفته السياسية محتملة، لا عندما يكون الفوز مضمونا والخصوم ضعفاء.

ولا يمكن لهذا النقاش أن يتجاهل الاحتلال. فالقدس، وحرية الحركة، وأمن المرشحين والناخبين، وإمكان الوصول إلى مراكز الاقتراع، كلها قضايا جوهرية. كما أن حماية مشاركة أهل غزة، بمن فيهم النازحون، تستدعي ترتيبات جدية تراعي أوضاعهم. غير أن الاعتراف بالعقبات يفرض البحث عن وسائل مواجهتها. أما الاكتفاء بإحصائها فيحولها إلى ملف جاهز للتأجيل. وبين من يسعى إلى تجاوز العائق ومن ينتظر ظهوره فرق تكشفه الاستعدادات المبكرة، والخيارات المعلنة، والاستعداد لتحمل الكلفة السياسية والتنظيمية.

والقدس تحديدًا لا يجوز اختزالها في إجراء تقني، كما لا يجوز تحويلها إلى سبب يبقى مفتوحًا بلا نهاية. حق المقدسيين في المشاركة يحتاج إلى خطة وطنية، وجهد سياسي وقانوني، وترتيبات عملية تناقش علنًا. وكل بديل يجب أن يقاس بقدرته على حماية هذا الحق ومعنى المشاركة الفلسطينية الشاملة. فإذا منح الاحتلال، عمليًا، قدرة دائمة على تعطيل الانتخابات في الأراضي الفلسطينية كلها، فإنه يحصل على سلطة إضافية تتجاوز التحكم بالأرض والحركة إلى التحكم بإمكان تجديد المؤسسات التي تمثل الشعب.

أما الانقسام، فيطرح معضلة مماثلة. فالانتخابات تحتاج إلى تفاهمات تضمن حرية التنافس واحترام النتائج، لكنها تفقد معناها إذا اشترط لإجرائها اتفاق مسبق يوزع المكاسب ويطمئن الجميع إلى حصصهم. المطلوب اتفاق على القواعد، وعلى منع الإقصاء والعنف والانتقام من الخاسرين. أما الاتفاق على النتائج قبل تصويت الناس فيجعل الاقتراع مجرد تصديق على ترتيبات أبرمت بعيدا عنهم. ولا يصح أن يظل إنهاء الانقسام شرطا مؤجلا إلى الأبد، بينما تستخدم استمراريته لتبرير غياب الوسيلة التي قد تساعد على تجاوزه.

لعدم اليقين آثار تتجاوز المزاج العام. فالمرشح الذي يشك في إجراء الانتخابات يتردد في بناء فريق وإنفاق الوقت والمال، والمواطن يتردد في المشاركة، والشاب الذي يبحث عن مدخل للعمل العام قد يستنتج أن القنوات الرسمية مغلقة مهما أعلنت مواعيد لفتحها. وبمرور الوقت، يمكن أن تصبح السلبية نتيجة متوقعة لانعدام الثقة، ثم تستخدم هذه السلبية للدلالة على أن المجتمع غير مهتم بالديمقراطية. هكذا ينتج التعطيل عزوفا، ويعاد تقديم العزوف كتبرير ضمني لاستمرار التعطيل.

وتتضرر أيضًا طبيعة النقاش السياسي. فبدل أن تسأل القوائم عن رؤيتها للتعليم والصحة والاقتصاد، وعن أدوات مواجهة الاحتلال وإصلاح المؤسسات، ينشغل الجمهور بقراءة الإشارات الصادرة عن القيادة. تصبح التصريحات والتسريبات أهم من البرامج، ويتحول التحليل إلى محاولة لاستكشاف ما يدور داخل دائرة القرار. في هذه البيئة، يتراجع حضور المواطن بوصفه صاحب اختيار، ويتقدم حضوره بوصفه متلقيا ينتظر. وهذه خسارة للديمقراطية حتى قبل اتخاذ أي قرار بالتأجيل، لأنها تستنزف المجال الذي يفترض أن تتشكل فيه الإرادة العامة.

لذلك لا يمكن استعادة الثقة بتكرار عبارة أن الانتخابات ستجري في موعدها. المطلوب ضمانات يمكن للناس فحصها: جدول واضح، وإعلان مبكر للعقبات، وخطط لمعالجتها، وحماية استقلال الإدارة الانتخابية، وآليات فعالة للطعن والرقابة. وإذا نشأت ضرورة حقيقية لتغيير موعد، فيجب شرح أسبابها وأدلتها ونطاقها، وربطها بموعد بديل وإجراءات محددة. فالتأجيل الذي لا يحدد نهاية يعيد المواطن إلى نقطة الصفر، ويجعل الوعد المقبل أضعف من الوعد الذي سبقه.

كذلك لا يكفي الوصول إلى يوم الاقتراع إذا كانت المنافسة نفسها مختلة. يجب أن يستطيع المرشح نقد السلطة، وأن يتمكن الصحفي من مساءلتها، وأن يحصل الناخب على معلومات متنوعة، وأن تحترم النتيجة بعد إعلانها. فالمطلوب مجلس يملك القدرة على تمثيل المجتمع ومراقبة الحكم، لا مؤسسة تستخدم لتجديد صورة السلطة. والانتخابات التي تمنح الحاكم شرعية إضافية من دون أن تمنح الجمهور قدرة إضافية على محاسبته تترك أصل الأزمة قائما، ولو تغيرت الوجوه وشغلت المقاعد.

وتقع مسؤولية الدفاع عن هذا المسار على القوى السياسية ومؤسسات المجتمع المدني والنقابات والجامعات ووسائل الإعلام أيضا. عليها أن تنقل السؤال من توقع قرار الرئيس إلى مساءلة الضمانات التي تحمي حق الناخب. وهذا يقتضي ضغطا علنيا وسلميا، ومتابعة منتظمة، ورفضا لتحويل كل عائق إلى مبرر نهائي. كما يقتضي أن تعلن القوى المتنافسة التزامها بالنتائج، وأن تدافع عن حقوق خصومها في الترشح والتعبير؛ فالديمقراطية لا تستقر إذا طلبها كل طرف لنفسه وقبل تعطيلها عندما يستفيد منافسه منها.

إن ما يبعث على القلق في سؤال "هل ستجري الانتخابات؟"، هو أنه يكشف مقدار ما فقده الناس من يقين بحقوقهم. لا ينبغي للمواطن أن يبحث في مزاج الحاكم ليعرف متى يستطيع محاسبته، ولا أن يقدم ضمانات ببقائه قبل أن يسمح له بالاختيار. القيادة التي تتمسك بالتمثيل عليها أن تقبل احتمال تراجع نفوذها، وأن تعتبر ذلك جزءا من قواعد العمل العام. ويبدأ استرداد الثقة عندما يطمئن الفلسطيني إلى أن موعد الانتخابات التزام تحميه المؤسسات، وأن صوته يستطيع تغيير الحكم، وأن خوف أصحاب السلطة من النتيجة لا يمنحهم حق منعها.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...