نزع السلاح وإعادة رسم موازين القوة: هل يُصاغ "الشرق الأوسط الجديد" على أنقاض غزة؟
الكاتب: د. فادي قدري أبو بكر
لا يمكن فصل مشاريع نزع وحصر وتسليم السلاح في غزة ولبنان والعراق عن التحوّلات الأوسع التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط، حتى وإن اختلفت ظروف كل ساحة وطبيعة القوى الموجودة فيها. فالمشترك بينها هو الدفع باتّجاه إعادة تعريف موازين القوة، وإعادة ترتيب التحالفات ومراكز النفوذ، في سياق إقليمي تتداخل فيه الحسابات الأميركية والإسرائيلية مع الصراع على النفوذ بين القوى الإقليمية.
تُطرح قضية نزع سلاح حركة حماس كمدخل لإنهاء الحرب على غزة وإعادة الإعمار وإقامة إدارة تكنوقراطية مستقلة، فيما يُصر رئيس الوزراء الاسرائيلي بنيامين نتنياهو على أن الانسحاب الإسرائيلي لا يمكن أن يسبق نزع السلاح بالكامل. ما يثير تساؤلاً جوهرياً: هل يكون نزع السلاح جزءاً من تسوية متزامنة ومتبادلة، أم يتحوّل إلى شرط مفتوح يمكن استخدامه لتأجيل الانسحاب واستمرار احتلال القطاع؟.
وتزداد خطورة هذا السؤال مع استمرار التصعيد في الضفة الغربية، حيث يُكثّف اليمين المتطرّف الاستيطان واعتداءات ميليشياته الإرهابية لتقويض أي فرصة مستقبلية لإقامة دولة فلسطينية قابلة للحياة مستقبلاً. وفي هذا السياق يبدو أن حرب الإبادة تنتقل تدريجياً إلى الضفة الغربية، بما يُنذر بنقل مركز الصراع بدلاً من إنهائه.
وفي لبنان تتكرّر المعادلة بصورة مختلفة، فالاحتلال الاسرائيلي يربط الانحساب من الجنوب بنزع سلاح حزب الله، الذي يرفض مناقشة الموضوع قبيل الانسحاب الاسرائيلي. وبين الموقفين تتحرك الولايات المتحدة لدفع ترتيبات أمنية جديدة، ما يجعل ملف السلاح جزءاً من إعادة صياغة المعادلة اللبنانية والإقليمية وليس مجردّ قضية داخلية.
أما العراق، فيواجه بدوره استحقاق حصر السلاح بيد الدولة بالتزامن مع إعادة تعريف العلاقة مع التحالف الدولي والوجود الأمريكي. لكن المهمة تبدو أكثر تعقيداً في ظل وجود فصائل مسلّحة تتمتّع بثقل سياسي وشعبي وعسكري، وبسبب تشابك العراق مع صراعات النفوذ بين الولايات المتحدة وإيران.
من هنا تبدو الساحات الثلاث حلقات في مسار إقليمي أوسع عنوانه إعادة توزيع القوة. لكن المشكلة ليست في مبدأ حصر السلاح بيد الدولة الذي يعتبر مشروعا وضروريا لبناء دول مستقرة، وإنما في الانتقائية التي تكتنف هذا المبدأ حيث يستمر الاحتلال والاستيطان والتفوق العسكري الاسرائيلي، ويُطلب من الطرف العربي أن يتخلى عن أدوات قوّته قبل معالجة أسباب الصراع.
وإذا كان نتنياهو يعمل على نسف التهدئة أو إطالة أمد الحرب انسجاماً مع حساباته السياسية الداخلية، فإن الإدانات الدولية وحدها لا تكفي، والمطلوب كلفة حقيقية على من يعرقل وقف الحرب وضمانات دولية إلزامية، وربط الترتيبات الأمنية بمسار سياسي يُعالج أصل القضية الفلسطينية وليس أعراضها فقط.
لقد بدأ الشرق الأوسط يتغيّر بالفعل، والسؤال لم يعد اليوم ما إن كان هنالك "شرق أوسط جديد"؟. بل من سيُحدّد قواعده؟. فإذا ارتبط نزع السلاح ببناء دول مستقرة وقوية وإنهاء الاحتلال وحماية السيادة وتحقيق تسوية شاملة وعادلة، فقد يكون ذلك مدخلاً للسلام والاستقرار. أما إذا أصبح أداة لتجريد طرف واحد من عناصر القوة مع إبقاء الاحتلال والاستيطان والتفوق العسكري الإسرائيلي، فإن النتيجة ستكون شرق أوسط أكثر اختلالاً، لا أكثر أمناً. وفي هذه اللحظة الفاصلة، لا تدور المعركة على السلاح وحده، بل على من يملك حق رسم مستقبل المنطقة وتحديد موازين قوّتها لعقودٍ مقبلة.



