الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:44 AM
الظهر 12:42 PM
العصر 4:19 PM
المغرب 7:18 PM
العشاء 8:38 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

لماذا يبدو استحقاق تشرين الثاني الانتخابي أضغاث أحلام؟

الكاتب: د. حسن أبو لبده

حين أصدر الرئيس محمود عباس في 9 تموز، مرسوماً يحدد 28 تشرين الثاني 2026 موعداً لانتخابات المجلس التشريعي الفلسطيني، وهي الأولى منذ عشرين عاماً، جرى تصوير الإعلان باعتباره انطلاق مسيرة إعادة إحياء تاريخية للديمقراطية الفلسطينية. لكن بعد أقل من شهر ونصف من تاريخ صدور المرسوم، تتكشف اليوم ملامح مصير محتوم لهذا الإعلان، لاحقا للإعلان الذي سبقه عام 2021.

  العقبة الأكثر إلحاحاً بشأن عقد الانتخابات العامة ليست جديدة، وهي ذاتها التي أسقطت المحاولة الأخيرة. فحتى الآن، لم تُعلّق إسرائيل علناً على إعلان انتخابات 2026 العتيدة، فهي مطالبة بالسماح للفلسطينيين بالتصويت في القدس الشرقية المحتلة وفقاً لاتفاقيات أوسلو. وكانت هذه القضية تحديداً سبب أو شماعة إلغاء الانتخابات التشريعية والرئاسية السابقة، بعد رفض إسرائيل تقديم ضمانات بإجراء تصويت عينة من المقدسيين في المدينة، وفقا لاتفاقيات أوسلو. ولا شيء في المعطيات المتاحة حتى الآن يشير إلى أن 2026 ستكون مختلفة.

يفاقم وضع قطاع غزة المشكلة أكثر، فقد دُمّر أكثر من 90 بالمئة من المرافق، ونزح معظم سكانها، واستوطنوا الخيام بفعل حرب الإبادة الإسرائيلية، التي أبادت أيضا البنية التحتية اللازمة لإجراء الانتخابات، فضلاً عن أن سجل السكان في غزة لم يُحدَّث بسبب الحرب منذ عام 2023، مما قد يمنع المستحقين حتى عمر 21 عاماً من ممارسة حقهم الانتخابي، لخلو أسمائهم من السجل. إضافة لما سبق، وعلى الرغم من جهود لجنة الانتخابات المركزية، يخيّم على يوم الاقتراع فراغاً في الإدارة أيضاً، حيث إنه لا يوجد حتى بند واحد من بنود خارطة الطريق التي أعلنها مجلس السلام آخر تموز 2026، يتعاطى مع مسألة تداول السلطة بالانتخاب، ومن ثم ضمان توفر متطلبات ممارسة هذا الحق. ناهيك عن أنه ووفقاً لبنود الخطة، من غير المرجح أن تكون اللجنة الوطنية لإدارة غزة، قد تسلّمت مسؤولية إدارة القطاع بحلول موعد إجراء الانتخابات. ولا بد من الاعتراف أن تنظيم انتخابات تشريعية في منطقة بلا إدارة فعلية، وسجل ناخبين غير محدث، وسكان مشرّدين بالكامل، يمثل تحدياً لوجستياً هائلاً بحد ذاته.

لم يقتصر الأمر على تحديات مشاركة القدس وغزة في الانتخاب، فقد اجتهد الجانب المصري لجمع حركتي فتح وحماس لبعث جهود المصالحة، وتذليل العقبات أمام توافق بينهما على الانتخابات. وفعلا، بعد أيام من قيادة رئيس المكتب السياسي لحماس خليل الحية وفداً إلى القاهرة لمحادثات مع المسؤولين المصريين وفصائل أخرى، اتفقت الحركتان على الاجتماع فيها برعاية مصرية، وتوجه وفد فتح، برئاسة نائب الرئيس حسين الشيخ وماجد فرج وروحي فتوح فعلياً إلى القاهرة لهذه الغاية، وربما لثني بعض فصائل م.ت.ف.، خاصة الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين والجبهة الديمقراطية عن الانضمام إلى تحالف معارض يتشكل تمهيداً للانتخابات العتيدة.

إلا أن حركة فتح ألغت اجتماعها المقرر، والذي كان من المفروض أن يبحث في استئناف الحوار الوطني وبحث الترتيبات المتعلقة بالانتخابات التشريعية العتيدة. وقد أشارت عدة مصادر سياسية وإعلامية إلى أن قرار الإلغاء يعود إلى خلافات حول صيغة مشاركة حركة حماس في الانتخابات، والتحالفات السياسية والانتخابية التي تبنيها، إضافة لما رشح من أخبار ومعلومات تحدثت عن ضغوط واعتراضات مرتبطة بمواقف الأطراف الخارجية، ورفض بعض الصيغ التوافقية للتحالف الانتخابي. ويؤكد هذا التطور أن وجد، وجود تحد إضافي يتعلق تحديدا بمواقف وتقديرات ورضى الأطراف الخارجية.

لكن ما يجعل الصورة أكثر قتامة هو ما يجري داخل حركة فتح نفسها، بعيداً عن الموانع الإسرائيلية واللوجستية. إن الاصطفافات التي تجري داخلها من تيارات حركية غير منسجمة مع نتائج المؤتمر الحركي الثامن، لا تبشر بإمكانية الوصول إلى صندوق الاقتراع بدون تنازلات جسيمة من الحركة الرسمية للأطراف التي شبت عن طوقها، أو اتخاذها إجراءات، وقرارت إقصائية تزيد خلط الأوراق على مسرح الحركة، المكتظ أصلا بالكثير من القضايا الخلافية، بما فيها ما تشهده الساحة من تنافر معلن بين اللجنة المركزية وعضويها جبريل الرجوب ومحمود العالول. وعلى الأغلب سيتم تبرير التأجيل أو الإلغاء بالظروف المعقدة التي تمر بها البلاد، خاصة التغول الاستيطاني والاعتداءات اليومية من المستوطنين، وغيرها من العقبات.

ومما يزيد التعقيد في المشهد الانتخابي، إعلان حماس أنها ملتزمة بالمشاركة في الانتخابات، وتعمل على إنشاء تحالف غير تقليدي بين التيار الديمقراطي وحماس وألوية الناصر صلاح الدين، والملتقى الوطني الديمقراطي برئاسة ناصر القدوة، وقد يتسع ليشمل بعض فصائل م.ت.ف. وأغلب الظن أن هذا التحالف يتجاوز، على ما يبدو، التنسيق الانتخابي التقليدي، ويتجه نحو بناء كتلة ضاغطة تجمع بين الأيدولوجيا والقوة الميدانية والكوادر الفتحاوية المتمردة أو المعارضة، وهدفها الأبعد سحب البساط التنظيمي والإداري تدريجياً من تحت القيادة الرسمية في رام الله، وتجريدها من احتكار قرار التمثيل الوطني، ويهدد بخلق "شرعية موازية" تُهمّش الهياكل القائمة، إذا استمر تعطيلها أو فشلها في استيعاب المتغيرات.

تضع هذه التحالفات الجانبية النظام السياسي الفلسطيني أمام مفترق طرق خطير. فاستمرار غياب التوافق الوطني الشامل لصالح تفاهمات جزئية قد يؤدي إلى تفكيك المرجعية الوطنية الموحدة، عوضا عن إعادة بنائها. والانتخابات في ظل هذا الاستقطاب الحاد داخل فتح، ومع وجود تكتل منافس يسعى صراحة إلى كسر الاحتكار، لن تنتج بالضرورة مؤسسات موحدة، بل قد تؤطر سلطتين متوازيتين في الضفة وغزة، وتعمق الانفصال بدل إنهائه.

على الجانب الآخر، يرى أنصار مسار التفاهم بين حماس والتيار الإصلاحي وبعض الفصائل، أن هذا الخيار هو السبيل الوحيد لكسر الجمود وتجاوز التفرد بالقرار، وأن الرغبة الشعبية في تجديد الشرعيات يجب ألا تُجهض تحت ذرائع جغرافية أو أمنية. غير أن هذه الحجة تصطدم بواقع أن الانتخابات ليست مجرد إجراء لوجستي، بل توافق سياسي وسيادي كامل. وإن إجراءها من دون القدس يعني تسليماً رمزياً بالسيادة الإسرائيلية عليها، وإجراؤها في ظل شرذمة فتح وتصاعد تكتل موازٍ قد يكرّس انقساماً أعمق بدل أن ينهيه.

في المحصلة، فإن قراءة المشهد الانتخابي الراهن تُظهر أن هذه العقبات السياسية واللوجستية لا تعمل بمعزل عن بعضها، فصمت تل أبيب يمنح القيادة مبرراً جاهزاً للهروب إلى الأمام، بينما يُسقط انهيار مسار القاهرة الضمانات التي تسعى إليها السلطة. بطبيعة الحال، لا شيء في السياسة نهائي، إذ إن حدوث اختراق مفاجئ في الحوار الوطني، أو صدور التزام إسرائيلي بشأن القدس، أو ممارسة ضغط دولي يشترط إصلاح السلطة لتمويل إعادة إعمار غزة، قد يدفع الاستحقاق قدماً. ولكن، ما لم تتحقق هذه المتغيرات وبسرعة، فإن 28 تشرين الثاني سيكون أضغاث أحلام، تُضاف إلى قائمة عقدين من الانتخابات الفلسطينية الموعودة والمؤجلة إلى أجل غير مسمى.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...