خاص | منتخب فلسطين للبيسبول يكتب قصة صعود عالمية استثنائية
تتويج بكأس غرب آسيا والمركز الخامس آسيوياً والتأهل إلى دورة الألعاب الآسيوية.. والاتحاد الفلسطيني الأمريكي يواصل بناء المنتخب وتوسيع قاعدة اللاعبين
نجح منتخب فلسطين للبيسبول خلال السنوات الأخيرة في الانتقال من حضور محدود يكاد يكون غائباً عن المشهد الرياضي الفلسطيني إلى منتخب حاضر على الساحة القارية والدولية، محققاً سلسلة من الإنجازات اللافتة التي أسهمت في رفع اسم فلسطين في واحدة من أكثر الرياضات انتشاراً في الولايات المتحدة والعالم.
ويعتمد المنتخب بصورة أساسية على لاعبين من أبناء الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة، بدعم من الاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي، الذي أسهم في تشكيل المنتخب واستقطاب اللاعبين وتطوير مستواه، وصولاً إلى المشاركة في البطولات الدولية وتحقيق نتائج متقدمة.
ويبرز منتخب فلسطين للبيسبول باعتباره المنتخب الجماعي الفلسطيني الوحيد بين مختلف الألعاب الجماعية الذي سيشارك في دورة الألعاب الآسيوية المقبلة، في إنجاز يعكس التطور المتسارع الذي شهدته اللعبة خلال فترة زمنية قصيرة.
وخلال حديث لبرنامج «رايــة رياضة»، استعرض مدير المنتخب الفلسطيني للبيسبول ونائب رئيس الاتحاد الفلسطيني للعبة عبد الرحمن الغوله، وعضو المكتب التنفيذي للجنة الأولمبية الفلسطينية أماني الغوله، مسيرة المنتخب والتحديات التي تواجهه وطموحاته خلال المرحلة المقبلة.
انطلاقة من الولايات المتحدة وبناء منتخب فلسطيني
وأوضح عبد الرحمن الغولة أن فكرة تشكيل منتخب فلسطيني للبيسبول بدأت من الولايات المتحدة، مستفيداً من وجود عدد كبير من أبناء الجالية الفلسطينية الذين يمارسون اللعبة منذ سنوات.
وقال إن الفكرة جاءت بالتعاون مع الاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي، وبمبادرة من المدرب سامي مهدي، حيث بدأ العمل على استقطاب اللاعبين والبحث عن المواهب الفلسطينية القادرة على تمثيل المنتخب.
وأشار إلى أن عملية الاستقطاب بدأت من خلال المدارس والمجتمعات الفلسطينية في الولايات المتحدة، حيث تم في البداية اختيار نحو 14 لاعباً، قبل أن يتوسع عدد اللاعبين الموجودين ضمن منظومة المنتخب ليصل إلى أكثر من 30 لاعباً.
وأكد أن عملية اختيار اللاعبين لا تتوقف، إذ يواصل الجهاز المسؤول عن المنتخب البحث عن لاعبين فلسطينيين أكثر قدرة وخبرة، بما يسهم في رفع المستوى الفني للمنتخب مع كل استحقاق جديد.
انتماء فلسطيني رغم البعد الجغرافي
وأكد الغولة أن اللاعبين المنضمين إلى المنتخب يتمتعون بارتباط قوي بفلسطين، رغم أن معظمهم ولدوا ونشأوا في الولايات المتحدة.
وأوضح أن الكثير من اللاعبين لديهم أقارب في فلسطين، من أجداد وآباء وأفراد من العائلة، كما يزور بعضهم فلسطين باستمرار، الأمر الذي يجعل ارتباطهم بالبلاد قوياً ومستمراً.
وأضاف أن اللاعبين يشعرون بالفخر بتمثيل فلسطين، وتمكنوا من الجمع بين حبهم للبيسبول وانتمائهم الوطني، وهو ما ظهر بوضوح خلال مشاركات المنتخب الأخيرة، ولا سيما في بطولة غرب آسيا.
كأس غرب آسيا.. محطة مفصلية في مسيرة المنتخب
وشهدت مسيرة المنتخب الفلسطيني محطة مهمة خلال عام 2025، عندما توج بكأس غرب آسيا في إيران بعد فوزه على منتخب باكستان بنتيجة 5-4، محققاً خمسة انتصارات متتالية، ومتأهلاً مباشرة إلى كأس أمم آسيا.
ولم يتوقف الإنجاز عند التتويج، إذ حصل اللاعب داوود برنت باورز على جائزتي أفضل لاعب وأفضل رامٍ، فيما اختير منتخب فلسطين أفضل فريق رامٍ في البطولة، بعدما سجل 61 نقطة، وهو أعلى رصيد في المنافسات.
وفي مشاركته الآسيوية اللاحقة، نجح المنتخب الفلسطيني في احتلال المركز الخامس في كأس آسيا بالصين، ليواصل صعوده في التصنيف العالمي ويصل إلى المركز 36 عالمياً والتاسع آسيوياً وفق التصنيف الدولي للبيسبول والسوفت بول.
تحديات كبيرة في تجميع اللاعبين
وأشار عبد الرحمن الغولة إلى أن وجود اللاعبين في ولايات أمريكية مختلفة يمثل أحد أكبر التحديات أمام إعداد المنتخب، نظراً لاتساع المسافات وصعوبة جمع جميع اللاعبين في مكان واحد للتدريب بصورة مستمرة.
وأوضح أن اللاعبين موزعون على ولايات بعيدة عن بعضها، من نيويورك إلى كاليفورنيا وغيرها، ما يجعل تنظيم المعسكرات الجماعية أمراً صعباً ومكلفاً.
وللتغلب على هذه المشكلة، يعتمد المنتخب على تدريبات اللاعبين مع فرقهم ومدارسهم وجامعاتهم في الولايات التي يقيمون فيها، إلى جانب تنظيم تجمعات ومعسكرات جماعية خلال فترات محددة من العام.
وكشف عن تنظيم تجمعات للمنتخب خلال الفترة الماضية، من بينها معسكر في حزيران/يونيو، وتجمع آخر قبل أسبوعين من إحدى المنافسات، تخلله لقاء تحضيري أمام فريق أمريكي-مكسيكي، بهدف رفع الجاهزية قبل الاستحقاقات المقبلة.
مواجهة أقوى المنتخبات ترفع مستوى فلسطين
وأكد الغولة أن وصول المنتخب إلى المركز الخامس آسيوياً جعل المنافسين ينظرون إليه بصورة مختلفة، مشيراً إلى أن المنتخبات التي تواجه فلسطين باتت تدرك أنها أمام فريق قوي ومتطور.
وأوضح أن المنتخب يواجه منتخبات ذات خبرات كبيرة في البيسبول، مثل اليابان وتايوان، التي تضم لاعبين محترفين على أعلى المستويات، وهو ما يفرض على المنتخب الفلسطيني مواصلة تطوير مستواه.
وقال إن الجهاز الفني يعمل سنوياً على استقطاب لاعبين أقوى، وتعزيز صفوف المنتخب بعناصر جديدة، بهدف رفع مستوى المنافسة وتحسين النتائج في كل بطولة.
البيسبول يفتح باباً جديداً لفلسطين
من جانبها، أكدت أماني الغولة، عضو المكتب التنفيذي للجنة الأولمبية الفلسطينية، أن دخول البيسبول إلى المشهد الرياضي الفلسطيني يمثل إضافة نوعية، ليس فقط على المستوى الرياضي، وإنما أيضاً على مستوى تعزيز حضور فلسطين في المحافل الدولية.
وقالت الغولة إن مشاركة منتخب فلسطيني في هذه الرياضة تفتح «كتاباً جديداً» في الرياضة الفلسطينية، خصوصاً أن البيسبول من الرياضات التي تهيمن عليها دول ذات تقاليد طويلة في اللعبة، فيما لم يكن للرياضة العربية حضور واسع فيها على المستوى الدولي.
وأشارت إلى أن تشكيل المنتخب من أبناء الجالية الفلسطينية في الولايات المتحدة أتاح فرصة لتمثيل فلسطين في منافسات دولية، بدعم من اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي.
وأكدت أن المنتخب أصبح اليوم يحظى باعتبار أكبر على الساحة الرياضية الدولية، وأن الطموح يتمثل في مواصلة البناء وتحقيق مزيد من الإنجازات.
دعم فني وإداري ومادي لتطوير اللعبة
وحول ما تحتاجه البيسبول الفلسطينية للوصول إلى مستويات أعلى، أوضحت الغولة أن تطوير اللعبة يتطلب العمل على عدة محاور، أبرزها التطوير الفني والإداري، وإعداد البرامج التدريبية، وتنظيم المعسكرات التدريبية الدولية، وتطوير المدربين والكوادر الفنية، إلى جانب توفير الدعم المادي.
وأشارت إلى أن الاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي يمثل المظلة الأساسية التي يعتمد عليها المنتخب، إلى جانب الدعم المعنوي والتسهيلات اللوجستية التي تقدمها اللجنة الأولمبية الفلسطينية.
وشددت على أهمية الاستثمار في المواهب الموجودة، وإتاحة الفرصة أمام اللاعبين للاستمرار والتطور، إلى جانب إعداد كوادر جديدة قادرة على رفد المنتخب مستقبلاً.
دورة الألعاب الآسيوية.. الاستحقاق الأكبر
ويستعد منتخب فلسطين للبيسبول لخوض استحقاق مهم يتمثل في المشاركة في دورة الألعاب الآسيوية المقبلة، وهي مشاركة تضع المنتخب أمام تحدٍ جديد في مواجهة نخبة من أقوى منتخبات القارة.
وقال عبد الرحمن الغولة إن المنتخب أصبح يحظى باهتمام متزايد من متابعي اللعبة في آسيا، خاصة في اليابان وتايوان، بعد النتائج التي حققها في السنوات الأخيرة.
وأوضح أن المنتخب لم يكن موجوداً على التصنيف العالمي قبل سنوات قليلة، قبل أن يبدأ صعوده تدريجياً، وصولاً إلى المركز 36 عالمياً والخامس آسيوياً، وهو ما جعل فرقاً آسيوية كبرى تتابع مستواه وتبحث عن معلومات ومقاطع لمبارياته السابقة.
وأكد أن هذا الاهتمام يمثل حافزاً إضافياً للاعبين، ويدفعهم إلى العمل بصورة أكبر من أجل تطوير مستواهم وتحقيق نتائج أفضل في الاستحقاقات المقبلة.
الرياضة جسراً بين فلسطين والشتات
وأكدت أماني الغولة أن أهمية المنتخب تتجاوز النتائج والتصنيف، باعتبار أن لاعبيه يمثلون نموذجاً لارتباط أبناء الشتات بفلسطين.
وقالت إن المؤسسات الفلسطينية في الولايات المتحدة تتمتع بحضور واسع، وإن أبناء الجالية يحافظون على ارتباط قوي بفلسطين، مشيرة إلى أن الرياضيين ينقلون من خلال مشاركاتهم صورة مختلفة عن الشعب الفلسطيني، ويؤكدون حضوره في المحافل الدولية.
واستذكرت مشاركات المنتخب في البطولات الخارجية، مشيرة إلى أن الفريق وجد دعماً من جماهير ومدارس في الدول التي شارك فيها، ومن بينها تايوان، حيث قام أطفال وطلاب برفع الأعلام الفلسطينية والتفاعل مع المنتخب، في مشاهد عكست قدرة الرياضة على بناء جسور التضامن بين الشعوب.
وأكدت أن المنتخب لا يكتفي بالمنافسة الرياضية، وإنما يحمل معه رسالة فلسطين ويرفع علمها في مختلف المحافل التي يشارك فيها.
تعاون متواصل لبناء منظومة فلسطينية للبيسبول
وفي ختام الحديث، أكدت أماني الغولة أهمية استمرار التعاون بين اللجنة الأولمبية الفلسطينية والاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي، بما يضمن توفير البيئة المناسبة لتطوير المنتخب وتعزيز حضوره.
وأشارت إلى أن الاتحاد الرياضي الفلسطيني الأمريكي يتولى جانباً كبيراً من الترتيبات والمعاملات اللوجستية والتواصل مع الجهات الرياضية، مؤكدة أهمية الحفاظ على هذه العلاقة وتطويرها بما يخدم المنتخب والبيسبول الفلسطيني.
ومع وصول المنتخب إلى المركز الخامس آسيوياً والمركز 36 عالمياً، والتأهل إلى دورة الألعاب الآسيوية، تبدو البيسبول الفلسطينية أمام مرحلة جديدة، تنتقل فيها من مجرد تجربة رياضية ناشئة إلى منظومة تسعى إلى تثبيت حضورها على الساحة القارية والدولية، مستندة إلى طاقات أبناء الجالية الفلسطينية وإصرارهم على تمثيل فلسطين ورفع علمها في مختلف الملاعب.



