يوفال أبراهام وراشيل زور يعريان الكيان في فيلم «نازا»
الكاتب: د. محمد عودة
ماذا لو أن الشهادة التي تكشف ما يجري داخل منظومة العدوان لم تأتِ هذه المرة من خصوم إسرائيل، ولا من منظمات حقوقية دولية، ولا من صحفيين يتابعون العدوان من خارجه، وإنما من أشخاص كانوا جزءًا من المؤسسة العسكرية والاستخبارية نفسها؟ هنا تحديدًا تبدأ أهمية فيلم «الأضرار الجانبية»؛ فهو لا يكتفي بعرض مشاهد العدوان ونتائجه، وإنما يحاول أن يأخذ المشاهد إلى المكان الذي يسبق القصف: إلى غرف الاستخبارات والعمليات، حيث تتحول المعلومات إلى أهداف، والأهداف إلى قرارات، والقرارات إلى صواريخ تسقط على أناس يعيشون حياتهم في الجهة الأخرى.
الفيلم، الذي أخرجه يوڤال أبراهام وراشيل زور، ويشارك فيه نحو 24 من ضباط الاستخبارات والجنود والعاملين في المنظومة الأمنية، يقدم شهادات جرى تسجيلها سرًا، مع إخفاء هويات أصحابها وتغيير أصواتهم، وهذه النقطة ليست تفصيلًا عابرًا؛ فالشهادات تأتي من داخل المنظومة نفسها، من أشخاص عرفوا آليات العمل وشاركوا فيها، ولذلك فإن قيمة الفيلم لا تكمن فقط في الصور التي يعرضها، وإنما في انتقاله إلى ما وراء الصورة: إلى الطريقة التي تُتخذ بها قرارات القصف وتُحدد بها الأهداف.
حتى عنوان الفيلم يحمل دلالة كاشفة، فمصطلح «الأضرار الجانبية» هو التعبير البيروقراطي البارد الذي تُوصف به الخسائر المدنية في الحروب، بحيث تتحول حياة الإنسان إلى «ضرر» مصاحب للعملية العسكرية، يصبح القتيل رقمًا، والبيت «هدفًا»، والحي منطقة عمليات، والقصف إجراءً يمكن قياس نتائجه بالأرقام، وهنا تكمن إحدى أخطر أفكار الفيلم: حين تُختزل حياة المدنيين في لغة إدارية، يصبح من الأسهل التعامل مع موتهم باعتباره جزءًا من حسابات العملية، لا باعتباره مأساة إنسانية لها أصحاب ووجوه وأسماء.
لطالما استندت الرواية الإسرائيلية إلى القول إن مقتل المدنيين في غزة نتيجة غير مقصودة للحرب، وإن الجيش يفعل كل ما يستطيع لتجنبهم، وإن المسؤولية الأساسية تقع على حماس بسبب استخدامها المدنيين دروعًا بشرية، لكن الفيلم يحاول نقل النقاش من النتيجة إلى الآلية التي تسبقها: ماذا يحدث قبل سقوط القنبلة؟ وكيف يُختار الهدف؟ وهل تُعرف مسبقًا احتمالات سقوط ضحايا مدنيين؟ وماذا يحدث عندما تكون هذه الخسائر متوقعة، ومع ذلك يُتخذ القرار بالمضي في الضربة؟
هنا تصبح بعض الشهادات شديدة الدلالة؛ إذ تتحدث عن تقديرات مسبقة لعدد المدنيين الذين يمكن أن يُقتلوا في عملية استهداف شخص واحد، وعندما يصبح الحديث عن مئات المدنيين مقابل شخص واحد، فإننا لا نعود أمام سؤال يتعلق بخطأ عابر أو خلل غير متوقع، بل أمام سؤال مختلف تمامًا: هل أصبح موت المدنيين رقمًا مقبولًا سلفًا ضمن قرار الاستهداف؟
والأكثر إثارة للقلق هو الدور الذي تؤديه الأنظمة الحاسوبية والذكاء الاصطناعي في هذه العملية، فبحسب الشهادات التي يقدمها الفيلم، تُستخدم أنظمة قادرة على تحليل كميات هائلة من البيانات وبناء قوائم أهداف، بما في ذلك أهداف تقع داخل منازل مأهولة، مع معرفة مسبقة باحتمال وجود نساء وأطفال ومدنيين فيها، وهنا لا يعود الذكاء الاصطناعي مجرد أداة تقنية تساعد الإنسان، بل يصبح جزءًا من منظومة إنتاج الأهداف وتسريعها وتوسيع نطاقها.
لكن التكنولوجيا، مهما بلغت درجة تطورها، لا تلغي المسؤولية البشرية، فالخوارزمية لا تضع وحدها قواعد العدوان، ولا تحدد بنفسها مقدار الخسائر المدنية المقبولة، ولا تقرر من الذي يجب أن يُستهدف ولماذا، هناك من صمم النظام، ومن وضع معاييره، ومن أدخل البيانات، ومن اعتمد مخرجاته، ومن اتخذ القرار النهائي. ولذلك فإن السؤال الأخلاقي والقانوني لا يمكن أن يختفي خلف شاشة الحاسوب أو خلف كلمة خوارزمية.
وربما تكمن خطورة التكنولوجيا في أنها تخلق مسافة أكبر بين صاحب القرار وبين الإنسان الذي سيدفع ثمن القرار، فكلما ابتعد القرار عن الإنسان الماثل أمام العين، واقترب من شاشة وإحداثية ورقم وبيانات، أصبح من الأسهل نفسيًا تحويل المأساة إلى عملية حسابية، وهنا تلتقي التكنولوجيا مع اللغة؛ فحين يصبح الإنسان «هدفًا»، والبيت «إحداثية»، والضحايا «أضرارًا جانبية»، فإن اللغة نفسها تصبح جزءًا من منظومة الحرب، لأنها تخفف من حضور الإنسان في الوعي قبل أن تسقط القنبلة عليه.
ومن هنا أيضًا يصبح السؤال عن «الجيش الأكثر أخلاقية في العالم» أكثر من مجرد شعار سياسي، فالأخلاق العسكرية لا تُقاس فقط بما تقوله الأدلة والأنظمة والتعليمات، وإنما بما يحدث عندما تتعارض حياة المدنيين مع الهدف، ما هي الضوابط؟ ما هو الحد المقبول للخسائر؟ ومن يراقب القرار عندما تكون النتيجة المتوقعة هي موت مدنيين؟ وإذا كانت الشهادات التي يقدمها الفيلم غير صحيحة، فالمطلوب ليس مهاجمة الفيلم، بل تفنيد هذه الشهادات بالأدلة والوقائع.
أما حجة «الدروع البشرية»، فلا يمكن أن تكون شيكًا على بياض، وجود مقاتل بين المدنيين لا يحوّل المدنيين إلى مقاتلين، ولا يلغي عن القوة المهاجمة واجباتها تجاههم، ولا يسقط الحاجة إلى التمييز والتناسب واتخاذ الاحتياطات الممكنة، المدني يبقى مدنيًا، حتى لو كان قريبًا من هدف عسكري، ومجرد وجود هدف عسكري في مكان مأهول لا يجعل كل من فيه أهدافًا مشروعة.
وهنا تكمن قيمة الفيلم الأساسية: فهو لا يخبر العالم بأن الفلسطينيين يموتون في غزة، فهذه الحقيقة لم تعد بحاجة إلى من يثبتها، وإنما يحاول أن يفتح الباب إلى الغرفة التي تسبق الموت؛ إلى المكان الذي تتحول فيه المعلومات إلى أهداف، والأهداف إلى أوامر، والأوامر إلى أرقام، ثم تتحول الأرقام إلى جثث، وهذه النقلة من صورة الضحية إلى آلية صناعة القرار هي ما يجعل الفيلم أكثر من مجرد عمل سينمائي عن الحرب.
وقد كان استقبال الفيلم في مهرجان البندقية السينمائي لافتًا، إذ حظي بعرض استمر معه تصفيق حار لنحو 25 دقيقة، وظهر في القاعة عدد من الأعلام الفلسطينية، كما حصل الفيلم على جائزة لجنة التحكيم الخاصة، لكن اللافت لم يكن الاحتفاء السينمائي وحده، بل رد الفعل السياسي الإسرائيلي أيضًا، وصولًا إلى دعوات من مسؤولين إسرائيليين إلى سحب الجنسية من مخرجي الفيلم، وهنا يصبح السؤال أكثر إحراجًا: إذا كان الفيلم قائمًا على شهادات كاذبة، فلماذا لا تُفنّد الشهادات واحدةً واحدة بدل مهاجمة أصحاب الفيلم واتهامهم بالخيانة؟
إن مهاجمة الفيلم لا تلغي ما ورد فيه، كما أن رفض المؤسسة العسكرية لما يقدمه لا يكفي وحده للإجابة عن الأسئلة التي يطرحها، فالمسألة في النهاية ليست مسألة موقف سياسي من إسرائيل أو من حماس، وإنما مسألة تتعلق بالكيفية التي تُدار بها حياة البشر عندما تدخل التكنولوجيا والاستخبارات والقرارات العسكرية في معادلة واحدة، وإذا كانت المنظومة قادرة على معرفة وجود المدنيين، وقادرة على تقدير عدد الضحايا المتوقعين، وقادرة على إنتاج الأهداف بسرعة غير مسبوقة، فإن السؤال يصبح: أين يبدأ الخط الذي تقول عنده هذه المنظومة إن حياة المدنيين لم تعد خسارة مقبولة؟
وهنا تحديدًا يصطدم الفيلم بصورة إسرائيل التي تقدم نفسها باعتبارها ديمقراطية وجيشها باعتباره جيشًا أخلاقيًا لا يستهدف المدنيين عمدًا، فالشهادات القادمة من داخل المنظومة لا تحسم وحدها كل الوقائع، لكنها تفرض أسئلة لا يمكن تجاوزها بسهولة: كيف تُبنى قوائم الأهداف؟ كيف تُحسب الخسائر المتوقعة؟ كيف تُستخدم الخوارزميات؟ ومن يملك سلطة القول إن هذه الأسرة أو تلك العائلة يمكن أن تتحول إلى «ضرر جانبي»؟
وربما تكون أقوى جملة يمكن أن يتركها الفيلم خلفه هي أن البيت ليس إحداثية، والعائلة ليست رقمًا، والطفل ليس هامشًا في تقرير عمليات، فالمشكلة لا تبدأ عندما تصل القنبلة إلى البيت، وإنما قبل ذلك بكثير، عندما يتحول البيت إلى هدف في قاعدة بيانات، ويتحول سكانه إلى أرقام في تقدير للخسائر المتوقعة.
لهذا فإن السؤال الذي يطرحه «الأضرار الجانبية» ليس فقط: كم مدنيًا قُتل في غزة؟ بل سؤال أعمق وأشد إزعاجًا: هل نتحدث عن نتائج لا يمكن تجنبها، أم عن نتائج تعرف المنظومة مسبقًا أنها محتملة، ثم تبني قراراتها على أساسها؟ وحين تصل الحرب إلى هذه المرحلة، فإن السؤال لم يعد فقط عن دقة السلاح، وإنما عن دقة الضمير الذي يستخدمه.



