الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:01 AM
الظهر 12:34 PM
العصر 4:05 PM
المغرب 6:51 PM
العشاء 8:07 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نبض الحياة: فوكوياما يراجع اطروحته

الكاتب: عمر حلمي الغول

لا يجوز قراءة حركة التاريخ وجدلية صعودها وهبوطها، من قبل الفلاسفة في الحقب والمحطات التاريخية، من زاوية اطلاقية، وإسقاطات آنية ورغبوية، وطرح استنتاجات متعجلة في إثر حدث نوعي، كما حدث في مطلع تسعينيات القرن الماضي بعد انهيار وتفكك الاتحاد السوفييتي والمنظومة الاشتراكية، كما فعل فرانسيس فوكوياما في كتابه "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، الصادر عام 1992، حيث ذهب بعيدا في خطيئة استنتاجه بأن الديمقراطية الليبرالية تمثل الغاية النهائية لتطور النظم السياسية، وجانب الصواب في رؤيته القاتمة ل"الانسان الأخير"، حيث افترض ان الانسان يرضى بالراحة، ويتخلى عن الطموح والمخاطرة بتجديد الذات والنظام السياسي.
ولو توقف فوكوياما أمام حركة التاريخ السابق على صدور كتابه، الذي ساهم في سطوع نجمه ومكانته الفكرية الفلسفية، التي شهدت سقوط واندثار امبراطوريات هامة في الحقب المتعاقبة من التاريخ، لما وصل للاستنتاج القاصر، الذي وضعه محل نقد قطاع واسع من المفكرين والفلاسفة المعاصرين، ودفعه هو شخصيا في كتابه الجديد "مملكة الانسان الأخير"، الصادر في 14 أيلول / سبتمبر 2026، الى مراجعة نقدية ذاتيه بعد 34 عاما من صدور كتابه السابق. وهو عبارة عن سيرة ذاتية غير تقليدية، لأنه يحاكي فيه رحلته الفكرية وتحولاته السياسية.
وأبرز ما حمله كتابه الجديد، انه لم يقصد ب "نهاية التاريخ" توقف الاحداث، انما افترض ان الديمقراطية الليبرالية تمثل الملاذ الأخير للبشرية، وهنا اصطدم بالواقع المناقض لرؤيته، حيث كان يعتقد آنذاك أن اقتصاد السوق يمكن أن يشبع طموح الانسان عبر الثراء بدلا من السلطة، نموذج عن ذلك دونالد ترمب الرئيس الأميركي الحالي، فيخلص منتقدا ذاته بالقول: "لم أكن أعلم أن فحش الثراء لن يكون كافيا." لأن الجشع في رؤية أباطرة المال لا حدود له، وهذا اعتراف هام من قبله، وعلى إثر ذلك، إنفصل عن المحافظين الجدد بعد حرب العراق، ثم أعاد النظر في أفكاره بعد الأزمة المالية في الربع الأخير من 2008، ازمة العقارات وانهيار وافلاس عشرات البنوك والشركات، والتي شبهت بالأزمة المالية الكارثية عام 1929، التي ساهمت ارهاصاتها الأساسية لصعود النازية والفاشية، ودفعت العالم للحرب العالمية الثانية 1939- 1945، لإعادة تقاسم النفوذ في العالم، كما يجري الان من إعادة تقاسم النفوذ وبناء منظومة عالمية جديدة عنوانها : عالم متعدد الأقطاب، واسقاط نظام القطب الواحد.
وكان من أبرز خطاياه في كتابه السابق "نهاية التاريخ والانسان الأخير"، انه افترض نهاية الصراع الايديولوجي، مما سمح له بتبني فرضيته الخاطئة انتصار الديمقراطية الليبرالية؛ ووقع في التيه الفلسفي، عندما رأى عدم وجود نظام سياسي اجتماعي اقتصادي بديل، وفي هذا قصور حاد في استشراف المستقبل وحركة التاريخ، فلا يكفي ان يقول فوكوياما، انا لم اقصد توقف الاحداث، لكنه لم يفتح القوس أمام حركة التاريخ، وأوقفها ارادويا عند حدود النظام الليبرالي غير الديمقراطي. لأن هذه الاحداث وتفاعلاتها وارتداداتها على حركة المجتمعات تخلق ميكانيزمات وفقا لعمليات التطور الاجتماعي والاقتصادي والأمني والعسكري والثقافي والسيكولوجي، وتنشئ قوى وعلاقات انتاج جديدة ونوعية، وتخلق شروط لتطور مجتمعات أكثر ديناميكية في نهوضها ورقيها، مثل الصين وغيرها من المجتمعات البشرية، وحتى عندما يقول إنه "استند الى الفلسفة الهيجيلية في قراءة حركة التاريخ، واعتبر ان محرك التاريخ ليس مجرد احتياجات مادية (كما تقول الماركسية)، بل هو رغبة الانسان في "الاعتراف بكرامته وقيمته". فهو للأسف الشديد لم يقرأها جيدا، ورغم الموافقة معه بوجود اختلاف بين هيغل وماركس، الا انه جانب الصواب في استنتاجه، لأن ماركس يصل بالنتيجة الى ضرورة تغيير النظام وبناء نظام العدالة، ولم يقصر نظامه على الاحتياجات المادية، بل لها بُعد قيمي ومعنوي وروحي، ومع ذلك كونه (ماركس) استند الى نظرية شمولية، اصطدمت ماركسيته أيضا بالواقع وبحركة التاريخ، ونتاج عدم تمكن الأنظمة الاشتراكية من الربط العميق بين الديمقراطية الحقيقية وتخندقها في "ديكتاتورية البروليتاريا" سقطت، لأن النظام الاشتراكي الدولاني تجاهل أهمية ودور الديمقراطية، مما ساهم في تعفن الأنظمة الاشتراكية وتآكلها من الداخل، لأن السوس نخرها.
ونفس الشيء وقع معلم فوكوياما، صموئيل هنغتون صاحب كتاب "صراع الحضارات"، الذي كتبه ردا على كتاب "نهاية التاريخ"، في خطيئة من جانب آخر، حين افترض أن صراع البشرية سيكون صراع الحضارات، في استبدال لمقولة الصراع الطبقي الاجتماعي الماركسي، وهذا غير صحيح، وفيه اسقاط رغبوي ولخدمة اجندات النظام النيوليبرالي، لأن الحضارات يمكن ان تتعايش، إذا أوجدت الأرضية القانونية والسياسية وتكاملت فيما بينها، تستطيع بناء عولمة إنسانية مغايرة تماما لعولمة النيوليبرالية الأميركية والغربية عموما القائمة على مبدأ استغلال الانسان للإنسان، واستغلال الشعوب الضعيفة ونهب ثرواتها، وإفراغ القانون الإنساني من محتواه، واعتماد قانون الغاب، كما يفعل الان النظام الأميركي في تسلطه على البشرية.
بالنتيجة أن فرانسيس فوكوياما حتى في مراجعته مازال بعيدا عن الاقتراب من محاكاة الواقع، ولكن المهم في مراجعة فلسفته ورؤاه الفكرية، انه امتلك الشجاعة لمحاكمة مسيرته الفكرية الفلسفية. وستبقى حركة التاريخ وجدلية تطورها غنية جدا بتحولات استراتيجية، لم يسبر اغوارها حتى الان الانسان المعاصر، لذا لا تغلقوا الأبواب أمام صيرورة التاريخ المستقبلي في حدود نظام قائم، فالآفاق واسعة ورحبة.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...