إعصار نازا يجتاح إسرائيل
الكاتب: رأي المسار
بينما تغرق إسرائيل في بحرٍ من الجدل حول التقصير الاستخباري والحكومي الذي أدّى إلى خلخلة أساسات الدولة بفعل زلزال السابع من أكتوبر 2023، وهو الجدل الذي سيؤثر حتماً على مستقبل القيادات السياسية والأمنية وعلى رأسها نتنياهو ومن معه.
استفاقت إسرائيل على اعصارٍ مدمّرٍ للصورة والرواية وكان هذه المرة من إنتاجٍ اسرائيليٍ خالص وهو فيلم نازا الذي فاز بجائزة لجنة التحكيم في مهرجان البندقية، وتضمن الفيلم شهادات ضباطٍ وجنود إسرائيليين حول حرب الإبادة التي دمرت غزة، ووقتلت وجرحت وأعاقت ما يزيد عن ثلاثمائة ألف إنسان، نسبةٌ عاليةٌ منهم من الأطفال والنساء، هذا غير الأعداد التي ما تزال تحت الأنقاض.
الفيلم أخرجه صحافيان إسرائيليان حائزان على جائزة أوسكار، وهما يوفال أبراهام وراحيل تسور، وقد تمّ تصويره من على أسطح العمارات في تل أبيب، ويشمل مقابلاتٍ مع أربعٍ وعشرين عسكرياً اسرائيلياً من مختلف الرتب، خدموا في الوحدة 8200، وأدلوا بشهاداتٍ رهيبةٍ حول مقتل مدنيين بادعاء استهداف مقاتلين، وكذلك حول سياسة الاغتيالات بأوامر رسميةٍ مباشرةٍ من المستوى السياسي.
ونظراً لدقة الفيلم في تصوير ما حدث وجرأة مخرجيه في كشف ما عملت إسرائيل على إخفاءه من فصول حرب الإبادة، فقد حظي بأعلى مستوىً وكثافةٍ وإعجاب، وتصفيق استمر ما يزيد عن خمسٍ وعشرين دقيقة، ليس فقط بفعل الجودة المهنية بل بفعل الشجاعة في فضح الجرائم وخصوصاً أن مخرجي الفيلم إسرائيليون مرموقون حاصلون على الأوسكار.
الجيش بقيادة زامير أعلن ما يشبه حالة الطوارئ للتحقيق فيما حدث، ولوضع خطط مواجهةٍ للعاصفة العالمية التي أثارها الفيلم، معتبراً أنه لا يجسّد فقط إدانةً قويةً للجيش بل للدولة كلها.
وزير الثقافة الإسرائيلي المعروف عنه بأنه لا يعرف معنى الثقافة أصلاً شرع في العمل على سحب الجنسية من مخرجي الفيلم، وقد وصفهم بالخونة وكارهي دولتهم إسرائيل.
قيادة الجيش والمستوى السياسي، ربما لا يعرفون أنهم يؤدون أوسع عملية ترويجٍ للفيلم، ليس فقط على مستوى العالم الذي رآه وسوف يراه آلاف المرات ويتفاعل معه، بل على مستوى إسرائيل ذاتها، بحيث يجسد الفيلم مرآة يرى فيها الإسرائيلي سلوك حكومته وجيشه، وهذه المرة ليس من خلال محكمة العدل ولا محكمة الجنايات الدولية ولا من خلال روايات مناوئي حرب إسرائيل على غزة، المنتشرين على مساحة العالم كله، بل من خلال عسكريين إسرائيليين مارسوا بأنفسهم أفعال الإبادة، ومن خلال مخرجين إسرائيليين بلغوا من السمعة والمكانة مستوىً عالمي.
فيلم نازا ليس مجرد شريطٍ سينمائي متقنٍ في التصوير والسيناريو والإخراج، فهو شهادةٌ من قلب إسرائيل عن جيشها وحكومتها، أمّا رد الفعل عليه الذي اقترب من إعلان حالة الطوارئ وسحب الجنسيات بفعل الشعور بفداحة تأثيره على الرواية والصورة، فهو بمثابة ترويجٍ ثمينٍ وفعّال ومجاني للفيلم الذي وصل بالفعل إلى مستوى الزلزال الثاني بعد زلزال أكتوبر، وما دامت إسرائيل تسير على هذا الدرب بمواصلة الإبادة وحجب الحقيقة بغربال، ومعاقبة من يكشفها فما سوف يأتي ربما يكون أعظم، وبوسعنا القول إلى لقاءٍ مع فيلمٍ جديد.



