من نيودلهي إلى نيويورك، حين يصبح تدويل فلسطين ساحة المواجهة
الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
بين إعلان نيودلهي الصادر عن قمة "دول البريكس"، والقرار الأمريكي مجدداً بمنع الأخ الرئيس محمود عباس وعدد من أعضاء الوفد الفلسطيني من الحصول على تأشيرات لدخول الولايات المتحدة والمشاركة حضورياً في اجتماعات الجمعية العامة للأمم المتحدة، تتضح صورة سياسية تستحق التوقف عندها، ليس من زاوية إدانة القرار الأمريكي وحده، بل من زاوية كيفية التعامل فلسطينياً مع التحولات الجارية في النظام الدولي.
فإعلان البريكس لم يكتفِ بتأكيد المواقف التقليدية تجاه القضية الفلسطينية، بل أكد حق شعبنا في تقرير المصير والعودة، ورفض التهجير القسري والتغيير الجغرافي والديمغرافي، وطالب بإنهاء الاحتلال غير القانوني، ودعم العضوية الكاملة لدولة فلسطين في الأمم المتحدة، كما دعا إلى تمثيل فلسطين في المؤسسات الدولية ذات الصلة، بما فيها المؤسسات المالية متعددة الأطراف، وتمكينها من الوصول إلى مواردها.
هذه المواقف تكتسب أهمية إضافية حين تصدر عن تجمع يضم إحدى عشرة دولة، بينها قوى دولية كبرى ودول ذات ثقل سياسي واقتصادي وديمغرافي متزايد.
وفي الاتجاه المقابل، جاء القرار الأمريكي بمنع الرئيس والوفد الفلسطيني من دخول الولايات المتحدة للمشاركة في اجتماعات الأمم المتحدة على غرار ما حدث بالعام الماضي. فقد وضعت واشنطن ضمن أسباب إجراءاتها استمرار التحرك الفلسطيني أمام محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، وما تصفه «تدويل» الصراع.
وهنا تتجاوز المسألة قضية التأشيرة،
فالرسالة الأمريكية تقول عملياً إن استخدام الفلسطينيين للمؤسسات الدولية والأدوات القانونية المتاحة لهم يمكن أن تكون له كلفة سياسية. بينما يقول إعلان البريكس، في الاتجاه المعاكس، إن تمثيل فلسطين في المؤسسات الدولية ينبغي أن يتوسع، وإن عضويتها الكاملة في الأمم المتحدة ينبغي أن تتحقق.
هذه المفارقة تفتح أمام السياسة الفلسطينية مجموعة خيارات عملية تستحق البحث، بدلاً من الاكتفاء ببيانات الإدانة.
أولها، تحويل موقف البريكس من إعلان سياسي إلى مسار دبلوماسي منظم، من خلال حوار فلسطيني مباشر مع دول المجموعة حول آليات تنفيذ ما ورد في إعلان نيودلهي، خاصة ما يتعلق بعضوية فلسطين وتمثيلها في المؤسسات الدولية والمالية.
وثانيها، توسيع التحرك داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة بشأن التزامات الدولة المضيفة، بحيث لا تبقى قضية التأشيرات خلافاً فلسطينياً أمريكياً، بل مسألة تتصل بحق الدول والشعوب في التمثيل داخل المنظمة الدولية واستقلالية عمل الأمم المتحدة عن سياسات الدولة التي يوجد مقرها على أراضيها. ولهذا فقد يكون من الضرورة بمكان العمل مع الأسرة الدولية داخل الجمعية العامة بطلب نقل اجتماعاتها إلى دولة محايدة كجنيف مثلاً حيث يوجد مقر للمنظمة الأممية.
وثالثها، مواصلة الاستفادة من الأدوات القانونية الدولية المتاحة، بما فيها محكمة العدل الدولية والمحكمة الجنائية الدولية، ضمن استراتيجية قانونية ودبلوماسية متكاملة، خاصة أن الاعتراض الأمريكي نفسه على هذا المسار يكشف مقدار الأهمية السياسية التي توليها واشنطن له.
ورابعها، بناء شبكة سياسية أوسع لا تقتصر على البريكس، بل تشمل دول الجنوب العالمي والدول الأوروبية وغيرها من الدول التي تؤيد حق تقرير المصير والدولة الفلسطينية، بهدف تحويل المواقف المتفرقة إلى كتلة دبلوماسية أكثر انتظاماً داخل المؤسسات الدولية.
كما يمكن بحث مطالبة دول البريكس التي تشغل مقاعد في مجلس الأمن، وفي مقدمتها الدول الدائمة العضوية بينها وبالمقدمة منها الصين وروسيا، بترجمة مواقف إعلان نيودلهي إلى مبادرات محددة داخل المجلس، بالتوازي مع التحرك في الجمعية العامة والمؤسسات الدولية الأخرى.
المسألة اليوم تكمن في ضرورة وقف الارتهان لمحور دولي تقوده واشنطن. فالمطلوب قراءة فلسطينية لعالم يتغير، وتنويع مساحات الحركة، واستثمار التناقضات والتحولات الدولية لخدمة الحقوق الوطنية.
فإذا كانت «تدويل القضية الفلسطينية» تُستخدم اليوم في واشنطن مبرراً لمعاقبة القيادة الفلسطينية، فإن الرد السياسي الممكن دراسته ليس الانكفاء عن العالم، بل كيفية جعل الحضور الفلسطيني الدولي أكثر تنظيماً واتساعاً وفاعلية.
إعلان البريكس يوفر فرصة ومنصة عمل سياسية، وقرار التأشيرات الأمريكي يكشف طبيعة التحدي. وبين الفرصة والتحدي تتحدد قيمة السياسة الفلسطينية بقدرتها على تحويل التأييد الدولي من بيانات تضامن إلى أدوات سياسية وقانونية ومؤسسية قابلة للتراكم.
عضو المجلس الاستشاري لحركة "فتح".



