الراتب مؤجَّل... والفاتورة مستعجلة
الكاتب: د. سعيد صبري
قد يسدّد الموظف اليوم فاتورة الكهرباء أو المياه أو الاتصالات لا بالشيكل الذي في جيبه، بل بالشيكل الذي لم يصله بعد. ففي تطبيق «يبوس» الحكومي يستخدم الموظف جزءًا من مستحقاته المتأخرة لدى وزارة المالية، نحو 500 شيكل فقط، لتسوية هذه الفواتير. هنا لا تُسقط الحكومة دَينها، ولا يتلقى الموظف نقدًا؛ بل يُستخدم الدَّين نفسه في التسوية.
ولا نتحدث هنا عن عملة جديدة بالمعنى القانوني أو النقدي؛ فالوزارة نفسها توضح أن رصيد «يبوس» ليس سيولة نقدية. ما نتحدث عنه مستحقات مالية بدأت تُستخدم لتسوية بعض الالتزامات بدل الدفع النقدي. وهذا من أهم ما يكشفه الاقتصاد الفلسطيني اليوم: المستحقات المتأخرة بدأت تؤدي وظيفة تشبه وظيفة النقود.
ما الذي تغيّر؟
تشير تصريحات وزير المالية في أواخر أيلول 2026 إلى أن الاحتياج الشهري للرواتب يبلغ نحو 1.5 مليار شيكل، بينما المتاح نحو 800 إلى 850 مليونًا، وأن الراتب يُصرف بنسبة لا تقل عن 50%، وأن أكثر من نصف الموظفين يتقاضون 80% فأكثر. وصُرف راتب حزيران في 23 أيلول بنسبة 50% وبحد أدنى 2,000 شيكل. وفي خلفية ذلك تحتجز إسرائيل أموال المقاصة منذ نحو 17 شهرًا.
وتؤكد بيانات منسوبة إلى وزارة المالية في تقارير صحفية منشورة حجم الضغط: انخفضت الإيرادات النقدية للخزينة في الأشهر السبعة الأولى من 2026 نحو 36% مقارنة بالفترة نفسها من 2025، وانخفض الدعم المباشر للموازنة نحو 30% (833 مليون شيكل مقابل 1.18 مليار)، فيما تراجعت النفقات النقدية نحو 24%. وترافق تراجع التدفقات النقدية مع تقليص النفقات، دون أن تختفي الالتزامات غير المسددة.
والراتب الذي لم يُصرف لا يزول؛ بل يبقى التزامًا ماليًا على الحكومة تجاه الموظف، ويصبح الجزء المعتمد منه قابلًا للاستخدام في التسوية وفق الضوابط المقررة.
تسوية... لا تداول
التسوية بين التزامات متقابلة شيء، وتداول وسيلة دفع تُقبل بين أطراف متعددة شيء آخر. ما نراه اليوم أقرب إلى الأولى، ولم يثبت بعدُ بلوغ الثانية؛ فالمقال يرصد اتجاهًا ولا يعلن عن عملة موازية. وقد يكون السقف المتاح للموظف محدودًا، لكن الدلالة الاقتصادية للآلية أكبر من قيمة التسوية الفردية.
وهذه الآلية ليست خطأ؛ فهي تخفف الضغط النقدي عن الأسرة. لكن حين يصبح الدين الحكومي وسيلة لتسديد فاتورة المواطن، فإننا لا نكون قد خلقنا سيولة جديدة؛ بل ابتكرنا طريقة لاستخدام حق مؤجل في إطفاء التزام حاضر.
أين تذهب السيولة الناقصة؟
الأسرة هنا خففت عن نفسها التزامًا نقديًا. أما أثر العملية على سيولة مقدم الخدمة، فيتوقف على طريقة التسوية. فإذا لم يتلقَّ المبلغ المقابل نقدًا، ولم يتمكن من استخدامه لتسوية التزامات أخرى، كالرواتب والموردين، فقد يجد نفسه أمام فجوة تمويلية إضافية. وهكذا لا تختفي بالضرورة كلفة نقص السيولة، بل قد تنتقل جزئيًا من الأسرة إلى المؤسسة.
ولا تشمل الترتيبات المذكورة، وفق نطاقها المعلن، الأقساط الجامعية. لكن تجربة تسوية الفواتير تفتح سؤالًا أوسع: هل يمكن تطوير آليات مماثلة، بضمانات واضحة، لتخفيف تعثر التمويل الجامعي؟ فقد يتأخر راتب الموظف أشهرًا، لكن أثره قد يمتد إلى سنوات من تعليم أبنائه؛ وحين تعجز الأسرة عن استيفاء مستحقاتها، قد تتعثر في سداد أقساط أبنائها، وقد يضطر بعض الطلبة إلى تأجيل دراستهم. غير أن أي توسع من هذا النوع يجب ألا ينقل عبء نقص السيولة إلى الجامعات دون ترتيبات تمويل وتسوية معلنة. أما حجم هذه الظواهر وأسبابها فيتطلب بيانات من الجامعات ووزارة التعليم العالي، فللتعليم الجامعي عوامل أخرى.
وهنا بعد آخر: الموظف الذي تدخل التزاماته ضمن الخدمات المشمولة يحصل على تخفيف، ومن تقع التزاماته خارجها لا يحصل عليه. فقد تتفاوت قدرة الأسر على الصمود بحسب نوع التزاماتها، لا بحسب حجم مستحقاتها وحدها. وهذه مسألة عدالة تستحق أن نراها في الصورة العامة.
ثلاثة أسئلة تحتاج إلى إجابة
أولًا: ما القيمة الحالية للمستحق؟ الألف شيكل المستحقة في موعد غير معلوم لا تحمل بالضرورة القيمة الاقتصادية نفسها لألف شيكل متاحة اليوم، حتى إن جرت التسوية بالقيمة الاسمية. ويعتمد الفرق على مدة الانتظار ومخاطر السداد وكلفة التمويل البديل. وما نحتاج إلى قياسه ليس سعرًا مفترضًا للمستحقات، بل الكلفة الاقتصادية الفعلية لتأخرها على الأطراف المعنية.
ثانيًا: من يتحمل مخاطر التأخير؟ يتوقف ذلك على آلية التسوية: هل يحصل مقدم الخدمة على قيمتها نقدًا، أم يُسجل له حق مالي مؤجل، أم تُجرى مقاصة مع التزامات أخرى؟ فإن أصبح دائنًا للحكومة ينتظر التحصيل، فقد انتقل إليه جزء من المخاطرة. وإن كانت التسوية متزامنة فقد تختلف الصورة. وهذه تفاصيل ينبغي الإفصاح عنها.
ثالثًا: ما حجم التسويات؟ لا يكفي أن نعرف أن تسوية الالتزامات بالمستحقات ممكنة؛ بل نحتاج إلى معرفة قيمتها الإجمالية وعدد المستفيدين منها، وهل هي حالة محدودة أم ترتيب يتسع. فقد تكون التسوية حلًا لأزمة أسرة، لكنها ليست بالضرورة حلًا لأزمة السيولة في الاقتصاد.
ما المطلوب؟
لا أدعو إلى منع هذه الترتيبات، فمنعها دون بديل يعني تحميل الأسر ما لا تحتمل. المطلوب أولًا جدولة معلنة للمستحقات، بتاريخ وطريقة تسوية لكل شريحة، لأن وضوح المواعيد وآليات السداد يقلل عدم اليقين ويساعد الأطراف على التخطيط، بشرط أن تكون الجدولة قابلة للتنفيذ. وثانيًا سجل موحد لتسويات المستحقات الحكومية، يوضح حجم المبالغ المسوّاة وآلية التسوية والجهات المستفيدة وأثرها على الرصيد المتبقي من الالتزامات. وثالثًا نشر مؤشر دوري يوضح عدد المستفيدين من تسويات «يبوس»، ومتوسط المبالغ المستخدمة، وأنواع الفواتير المسددة، وآليات حصول مقدمي الخدمات على مستحقاتهم. ويمكن أن يمتد هذا القياس إلى التعليم الجامعي، عبر رصد الأقساط المتعثرة والطلبة الذين أجّلوا دراستهم لأسباب مالية، تمهيدًا لدراسة ترتيبات تسوية ملائمة لا تنقل العبء إلى الجامعات.
وتظل المعالجة الأعمق هي استعادة انتظام التدفق النقدي، فكل ترتيب بديل يبقى حلًا انتقاليًا لا يغني عن السيولة نفسها.
خلاصة
حين تُستخدم المستحقات في التسوية، فهذا يعني أن الاقتصاد وجد طريقة للاستمرار رغم نقص السيولة. لكنه يعني أيضًا أن جزءًا من الالتزامات صار يُسوّى بحقوق مؤجلة، دون أن تتوافر للجمهور صورة مكتملة عن إجمالي ما سُوّي، وآجال التسوية، وكلفتها الاقتصادية على الأطراف المعنية.
فالأزمة لا تُقاس فقط بما لم يُصرف من النقد، بل بكلفة الانتظار ومن يتحملها. وحين يتأخر راتب الأب، قد يتأخر معه تعليم الابن. وقد يساعد رصيد «يبوس» الموظف على تسديد فاتورته اليوم، لكنه يترك أمامنا السؤال الأهم: هل عالجنا فجوة السيولة، أم غيّرنا الطرف الذي ينتظرها؟



