الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:29 AM
الظهر 11:23 AM
العصر 2:32 PM
المغرب 5:01 PM
العشاء 6:17 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

️ نقطة ضوء: أهلا بكم في دولة البوابات ! 

الكاتب: د عدنان ملحم

لم تعد البوابات مجرد حواجز حديدية على الطرقات، بل أصبحت جزءًا من جغرافية حياتنا اليومية ، ومن تفاصيل يومنا الفلسطيني. بألوانها الفاقعة، تسجن الفلسطينيين داخل جغرافيتهم، وتحولهم إلى سجناء هادئين ومسافرين مهمومين، يراقبون عقارب الساعة، ويتابعون حركة الأقفال أكثر مما يتابعون حركة الحياة . 

السائقون المتوترون يتابعون ، عبر تطبيقات التواصل الاجتماعي، مجموعات أحوال الطرق والحواجز والبوابات ، ويتبادلون أخبارها ومواعيد فتحها وإغلاقها أولا  بأول ، حتى أصبحت المعلومة عن البوابة أهم أحيانا  من عنوان المكان الذي نقصده .

الفلاحون، والطلاب ، والمعلمون ، والموظفون ، والعمال ، يحفظون عن ظهر قلب أسماء البوابات ومواعيد فتحها وإغلاقها، ويعرفون أيها يفتح صباحا ، وأيها يغلق قبل الظهر، وأيها يحتاج إلى صبر طويل ، وأيها يحتاج إلى  " واسطة " أطول .

أما الزعماء وكبار القوم ورجال المال والأعمال، فالأمر مختلف قليلا  ؛ إذ ربما يحتاجون فقط إلى تنسيق خفيف ، حتى لا تتعرض مواكبهم للإزعاج ، أو تصادر  ممتلكاتهم، أو تتعطل الصواريخ والدبابات المرافقة لهم ! . 

حتى الشاحنات أصبحت من أهل البوابات ؛ فهذه تتجه نحو أراضي عام 1948 محمّلة بالحصمة والرمال ومواد البناء ، وتلك تأتي من الجهة الأخرى محمّلة بالحديد والإسمنت والمحروقات، وربما القمامة أيضا . وقد حفظت جميعها أسماء البوابات ومواعيد فتحها وإغلاقها، وأصبحت تعرف أوقات عملها واستراحتها أكثر مما يعرف السائقون مواعيد عودتهم إلى بيوتهم ! . 

أما الجرافات والشاحنات والبيوت المتنقلة والمعدات التي تتسلل من المصانع الوطنية باتجاه المستعمرات الجديدة، فلها هي الأخرى معرفة خاصة بالبوابات ؛ تعرف متى تفتح ، ومتى تغلق ، ومتى يكون الطريق " مناسبا  " للمرور . 

البوابات الجميلات يغلقن أفواههن في ساعات منظمة ومعلومة ، ليسهل على المستعمرين الجدد قيادة مركباتهم ، ونقل أغنامهم ، وتحريك فرقهم ، بكل أريحية وثقة وطمأنينة . 

وقد أنجبت البوابات ، مع مرور الوقت ، لغة  خاصة بها، ومصطلحات لا يفهمها إلا أهلها: " بحري، نار، سريع، زاطم، داشع، مسرسب، مسنسل، جماعة عكس السير، مركبات متمردة ، سائقون بلا أخلاق ، وسائقون جنتل ". 

كما ساعدتنا في حفظ أسماء المستعمرات وطرقها وأنواعها وإشاراتها الضوئية ، ومحطات الوقود والمولات التابعة لها . وساعدتنا، من حيث لا ندري، على معرفة أسماء القرى والبلدات الفلسطينية، وحفظ الطرق الالتفافية ، المعبدة منها وغير المعبدة ، ومساراتها ومداخلها ومخارجها ، حتى صار الفلسطيني يعرف جغرافيا بلده أحيانا  من خلال الحواجز والبوابات أكثر مما يعرفها من خرائطها .

وعن عوالم البوابات ، يمكن أن تكتب رسائل دكتوراه كاملة: برامج ومقاييس ضبط الأعصاب ، والأمراض الطارئة المستحدثة ، وفنون الانتظار، وعلم قراءة مزاج البوابة وأبراجها  ، واللغات والمصطلحات التي ولدت على جانبيها .

وقريبا ، ربما تحمل بطاقات أعراسنا ألوان البوابات وأسماءها ومواعيد فتحها وإغلاقها ، وربما نضيف إليها رقم المنسق العسكري المشرف عليها، حتى تكتمل إجراءات الفرح .

وقريبا  سنردد في الأعياد الدينية والوطنية والإجازات: كل عام وبوابتك سعيدة ، منشرحة، شارعة قلبها لك ! كل عيد وعطلة وبوابتك مفتوحة ، باسمة، وطيبة  الخاطر! ومن الممكن استحداث عطلة رسمية للبوابات ، يستطيع فيها الفلسطيني أن يجتمع بأسرته ، ويتعرّف إلى أفرادها الذين حالت البوابات دون رؤيتهم ! . 

وقريبًا سنحتاج إلى وزارة للبوابات ، ووزير، ووكيل ، ومدير عام، وناطق إعلامي ، ودائرة للعلاقات العامة، وربما هيئة مستقلة لتنظيم شؤون الانتظار .

وسنحتاج معها إلى محطات استراحة ووقود، وأسواق، ومطاعم، ومقاهي للقهوة التركية والأمريكية، وبيوت خلاء للتخلص مما في بطوننا من طعام، وربما صيدليات ومراكز إسعاف لمعالجة ما تسببه البوابات من أمراض الضغط والأعصاب.

وقريبا  سنحتاج إلى مقابر سريعة لدفن موتانا الذين لم يحتملوا الانتظار، ومساجد وكنائس للصلاة والعبادة، حتى لا تضيع علينا مواقيتها.

وربما نحتاج أيضا  إلى تصاريح خاصة لعبور البوابات، بألوان المحافظات: الشمال أصفر، والوسط أحمر، والجنوب أزرق، وقطاع غزة أبيض. وربما نكتشف لاحقًا أننا بحاجة إلى لون إضافي للحالات الطارئة ! . 

علمتنا البوابات، من حيث لا ندري، فنون الاقتصاد وتقنين النفقات؛ فقد قللت الزيارات والرحلات والقوافل والمواكب والجاهات والأعراس والعزائم والمظاهرات والاحتجاجات والاعتصامات . وبحسب استطلاع افتراضي أجراه مركز الباحث عزيز البقاعي ، انخفضت حركة الزيارات العائلية ، وارتفعت في المقابل معدلات الطوشات والصدامات الداخلية ؛ لأن الإنسان الذي لا يستطيع الوصول إلى قريبه قد يقرر، توفيرا  للوقت والوقود، أن يتشاجر مع جاره ! . 

وما يثلج الصدر حقًا، وجود بوابات داخل مناطق A وB وC نفسها، متحديةً اتفاق أوسلو، طيب الله ثراه، وكأنها تريد أن تؤكد لنا أن الأرض، رغم كل الخرائط والتقسيمات والتصنيفات، ما زالت وحدة واحدة، من النهر إلى البحر .

وهكذا، لم تعد البوابات مجرد حديد وأسلاك وأقفال . لقد أصبحت جغرافيا ، ومواعيد، ولغة، ومصطلحات، ومهنة، ومرضًا، ومزاجا عاما ، وربما مستقبلًا إداريا كاملا  .

وإذا استمر الحال على هذا النحو، فلن نستغرب غدا  أن يسألنا أحد: أين تسكن؟ فنجيبه بكل ثقة: بعد البوابة الثالثة ، وقبل البوابة الرابعة ! . 

ملاحظة مهمة: هذا النص ساخر، والسخرية هنا ليست من معاناة الناس، وإنما من واقع عبثي تحولت فيه البوابات والحواجز إلى جزء من تفاصيل الحياة الفلسطينية اليومية . 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...