نبض الحياة: أهمية الفوز التاريخي
الكاتب: عمر حلمي الغول
بعدما ما حطت الانتخابات الإسرائيلية رحالها عمليا بعد فرز الأصوات الصحيحة، حيث لم يتبقَ سوى فرز "المظاريف المزدوجة"، أي أن نتائج التصويت في إسرائيل تم فرزها وحددت ملامح خارطة الكنيست ال26، وتمكن بنيامين نتنياهو وتكتله الأكثر يمينية من التقدم على تيار التغيير بزعامة غادي ايزنكوت، بحصوله على 53 مقعدا، فيما حصل تيار التغيير على 48 مقعدا، وهو ما يؤكد أن أي من التكتلين لن يتمكن من تشكيل الحكومة القادمة دون التنسيق والتعاون مع القائمتين الفلسطينيتين: القائمة المشتركة والقائمة الموحدة، اللتين حصلتا على 19 مقعدا حتى مساء أمس الأربعاء 28 تشرين اول / أكتوبر 2026. وبعد فرز المظاريف لن يحدث تغييرا مؤثرا، رغم التقدير بأن أصوات الجنود، وجنود الاحتياط، والدبلوماسيين، وعناصر الشرطة، وموظفي السجون، والمرضى في المستشفيات، والناخبين المجلين، التي قدرت لجنة الانتخابات عددها ما بين 430 و480 ألف صوت، وحصيلتها 9 مقاعد، سيكون بالضرورة لها أثر نسبي على عدد مقاعد التيارين الصهيونيين.
لكن الحدث الأهم والمفاجئ والتاريخي في الانتخابات حصول القوائم الفلسطينية على 19 مقعدا، والذي جاء نتيجة استشعار الجماهير الفلسطينية خلال السنوات الثلاث الماضية بالخطر الوجودي مع انفلات العنصرية الإسرائيلية في انتهاكاتها وجرائم حربها الوحشية على الحقوق والمصالح المطلبية والسياسية الفلسطينية، واتساع وتعمق الجريمة والقتل للأبرياء من أبناء الشعب، وإعادة فتح شهية عصابات الاستيطان من أمثال بتسلئيل سموتريش وايتمار بن غفير، بالاستيطان في مجد الكروم وغيرها من البلدات الفلسطينية في الجليل والنقب والمدن المختلطة، بالموازاة مع ذلك، الإبادة الجماعية المتواصلة حتى الان في قطاع غزة، والإصرار على فرض التهجير القسري، وحرمان المواطنين الفلسطينيين من ابسط مقومات الحياة، وكذلك الامر في الضفة الغربية بما فيها القدس الشرقية ترتكب جرائم همجية ضد الجماهير الفلسطينية من تدمير وتهجير لسكان المخيمات والتجمعات الفلسطينية في القدس العاصمة وخليل الرحمن، وإستعار الاستيطان وبناء المستعمرات والبؤر الاستيطانية الإسرائيلية، التي زاد عددها عن المئة، وكذا في منطقة E1، التي تفصل شمال الضفة عن جنوبها، والتضييق على المواطنين الفلسطينيين من خلال وجود نحو 950 بوابة وحاجز، والقرصنة على أموال المقاصة الفلسطينية، ورفض خيار السلام وحل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967، ودفع الصراع الفلسطيني الإسرائيلي الى صراع وجود، من خلال رفعهم شعار "نحن أو هم"، وغيرها من الجرائم الوحشية.
هذا الإنجاز التاريخي غير المسبوق للجماهير الفلسطينية في مناطق ال 48، بالضرورة سيساهم في رفع ثقل ومكانة النواب الفلسطينيين العرب في الكنيست القادم، وسيؤثرون في القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي الإسرائيلي، رغم تحفظات بعض وجهات النظر السلبية على دور النواب الفلسطينيين في المشهد الاسرائيلي. وباتوا ممرا اجباريا لأي تيار يريد ويطمح لتشكيل الحكومة القادمة، وأحدث خلطا للأوراق في المشهد الإسرائيلي، وقلب معادلات التيارين الاقصوي والوسطي، مما ضرب كل التوقعات السابقة على الانتخابات، التي جرت أول أمس الثلاثاء 27 أكتوبر الجاري. واثار ردود فعل صهيونية صاخبة داخل التيارين، وليس تيار نتنياهو الأكثر تطرفا ووحشية، الذي ادعى وأعلن (نتنياهو) علانية اثناء وما بعد الانتخابات وفرز الأصوات الصحيحة، بأن "الفلسطينيين سرقوا الانتخابات"، واتهمهم ب "التزوير"، وقال انه سيلجأ للجنة الانتخابات المركزية للمطالبة بإعادة فرز الأصوات. كما ان الحاخام الأكبر لمدينة صفد وأحد المرجعيات الدينية البارزة لتيار الصهيونية الدينية شموئيل الياهو أصدر فتاوي ومواقف علنية تحظر وتهاجم دخول غير اليهود أو الفلسطينيين الى الكنيست، أو تولي أي أدوار قيادية، وكذلك الحاخام البارز شلومو أفنير أصدر فتوى تحرم التصويت لأي حزب يضم مرشحين عرب، معتبرا أنه لا يجوز لغير اليهود أن يكون قائدا أو يدخل الكنيست.
كما ان ايزنكوت وضع شروطا على القوائم الفلسطينية، في حال قبلت دعم تياره لتولي الحكومة القادمة، أن يعترفوا بوثيقة "تأسيس إسرائيل"، والاعتراف ب "يهودية الدولة"، وان يشاركوا في الخدمة العسكرية في الجيش الإسرائيلي، او الخدمة المدنية، وغيرها من الشروط التي يرفضها الفلسطينيون، مع انه قبل الانتخابات توافق مع حلفائه من تيار التغيير بعدم التعاون مع القوائم الفلسطينية، استجابة لحليفه افيغدور ليبرمان زعيم حزب إسرائيل بيتنا، رغم انه وحليفه الأكثر تطرفا بحاجة الى دعم القوائم الفلسطينية إذا أرادوا تشكيل الحكومة القادمة، ويخرجوا نتنياهو واقطاب تياره سموتريش وبن غفير من الحكم، وبالتالي عليهم إن كانوا فعلا معنيون بإسقاط حكومة بيبي أن يراجعوا مواقفهم العنترية، لأنهم دون دعم القوائم العربية لن يفلحوا بتشكيل الحكومة، والاستجابة لشروطهم ومطالبهم، أو أن يتحالفوا مع خصمهم اللدود، الذي خونوه، ومازالوا يخونونه – بنيامين نتنياهو -، ولهذا الملف زاوية لاحقة.



