في حضرة الرئيس عباس
الكاتب: ايمان نصار
أن تجلس أمام شخصية هامة، يعني أن يفتح لك صندوقاً من الأسرار ، تبحث فيه عن ما غاب عنك زمن وفيك إلحاح الباحث عن المفقود او المغيّب ، ولطالما حدث لك وجلست مع هذه الشخصية ، فكل حواسك ترصد فيه وتصغ له ، وترغب في أن الوقت لا ينتهي لكي تنهل منه ما يسكت جوعك المعرفي أو تشعر أنك غير كثير من البشر ، أصبحت جليس هذه الشخصية الهامة ، فما بالك لو كانت هذه الشخصية رئيس دولة .
في أنقرة حيث تطل على جماليات كونية ، ببهاء غير مغشوش ، استضافنا الرئيس الفلسطيني محمود عباس ، الاستضافة تشبه مكرمة أبوية نادرة الحدوث ، ولأنه الرئيس والشخصية الفلسطينية الأولى ، كان لابد من التحضير والترتيب وتجهيز اللغة وانتقاء العبارة ، هذا ما حسبته قبل اللقاء بدقائق ، ورحت أبحث في ثقافتي أفضلها وفي مهنتي كصحفية أبدعها ، لأكون على قدر الجليس السامي ، ولكن مع مرور الدقائق الاولى للجلسة ، كسر الرئيس محمود عباس ، ذاك الخوف الذي قيدني وضبطني بالرسمي ، وأخرجتني ومن معي عفويته الغير مصطنعة ، وأبويته المتروكة على جدار صوته والمبعوثة من حنجرته لسامعيه ، كل ما تم تقديره ، فراح بنا بكل أريحية الى مواضيع هامة ، ونقلنا بكل صدق من موضوع الى موضوع ، أبدع خلال سرده ببساطته و لياقته اللغوية ، وسماحة منطقه ، حتى أدخلنا بتخوفاته الشخصية على القضية الفلسطينية ، من جوانب الحرص المعبرّ عنها والغير مقدرة النطق من قبله ، فشعرنا بانتمائه اللامحدود لهموم شعبه ، ومن فرط شفافيته اصطدت كصحفية ، الكثير من تقديراته الرئاسية ، لمجمل القضايا ، فأي شك سابق حول اهتمامه وجديته بالمصالحة الوطنية ، قد نُسف وبات اليقين محله العقل والقلب ، بأن الرئيس أشد من سواه بل هو أكثر فلسطيني حريص على المصالحة مع حماس وتوحيد الصف الوطني ، وهذا الاصطياد لم يحتج مني الكثير من الفهم ، بل والدتي التي تقوم بزيارتي حالياً والتي تصادف وجودها بالتزامن مع الزيارة، أصرت على حضور هذا اللقاء خرجت بذات الانطباع الذي خرجت به ، وهو تمسك الرئيس عباس الغير محدود بالمصالحة .
ولأن الوقت أكثر قسوة علينا بجلسة واسعة الثراء ، كان لابد أن نصغي للرئيس وهو يحدثنا عن حق الشعب الفلسطيني بإعلان دولته ، وتلك الخطوات الوطنية المكللة باالنجاح التي حققتها الدبلوماسية الفلسطينية تحت إشرافه وبأمره ، في سبيل تجهيز القدرة الكافية والتسلح بها حال وصلنا الى أيلول/ سبتمبر ، وحدثنا بكل وضوح عن الموقف الأمريكي والاسرائيلي ، ودرجة خوفهم من هذه الخطوة التاريخية ، ودرجة الضغط الممارس عليه وعلى القيادة الفلسطينية ، من أجل التراجع عنها ، ولكن إصراره العالي بالذهاب الى استحقاق الاعتراف بالدولة الفلسطينية ، كان أقوى من أي عقبات قد تصادفه في الأمم المتحدة ، ولم ينس أن يوصي الجالية الفلسطينية من خلال الحاضرين جلسته الى الاستعداد الوطني لهذا الاستحقاق ، وخوض خيار الاعلان عن الدولة .
وأما عن العلاقات الداخلية الوطنية فلم يتمترس الرئيس عباس خلف حجب ، ولم يدخل لغته حبر الضباب لكي لا نقف موقف المؤّلين ، بل العكس والغير متوقع لمسناه تماماً ، وتحدث بحس عالٍ عن همه الكبير بضرورة التغلب على جميع الخلافات مهما كانت مصادرها وجهاتها وشخصياتها ، ضرورة مطلوبة لتمتين الموقف الفلسطيني ، وتوحيده ، والسير به نحو مواجهة الاحتلال ، الذي يستثمر كل خلاف فلسطيني - فلسطيني ، لكي يروج دولياً صورة مشوهة عن القيادة والشعب الفلسطيني ، بل يتخذ هذه الخلافات كغطاء له ، لغير فيه الديمغرافيا والجغرافيا الوطنية ، وينفخ عبر وسائل إعلامه بكل صغيرة ، ليشحن الوضع الداخلي بسمومه ويعكر كل مبادرة لتوحيد الصف الوطني ، والمطلوب من الجميع ، حسب الرئيس عباس ، أخذ الواقع الراهن كحالة استثنائية في حياة شعبنا يجب تجاوزها ومعالجة آثارها ، وتسليم الأمانة للإجيال القادمة من غير غصة ولا عقد يصرفون من بعدنا الكثير من أوقاتهم في حل خلافات لم يكن لهم في يد .
أن تكون جليس رئيساً يعني أن تكون مع صانع القرار الأول في حياة شعب هذا الرئيس ، ولأن كلامه معلوماتي بالدرجة الأولى ، إلا أنه يبقى إنسان في المشاعر والعواطف والأحلام والتطلعات والمخاوف والعزيمة ، وفوق كل هذا الأب الذي يضع أبناء شعبه كلهم في قلبه الكبير ، ليبحر بهم في عاصفات عاتية ، وفي زمن هائج ، شطآنه غير آمنة ، لم ينس الرئيس عباس أن يذّرنا بالشهداء والتضحيات الكبيرة ، ولا بالأسرى ورغبته المطلقة بل وإصراره على ضرورة حل قضيتهم في أي وضع ستؤول إليه الوقائع .
وأن تغادر رئيساً بعد أن أصبح زادك ثمين المحتوى ، عليك أن تذكر فيما بعد كل تفصيل ما حدث ، وأن يكون عقلك بإنشغال ولو مؤقت لكي توصل الأمانة إلى أهلها ، وتقول أو تكتب ما لمست ووجدت من جليسك الرئاسي ، عال المقام ، وحمّال الآمال ، بعد هموم ثقال .
شكراً للرئيس محمود عباس الذي فتح لنا قلبه، بعفوية مطلقة ، لندخله قبل أن يُخرج منه بعض حبِّه لفلسطين



