الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:38 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:22 PM
المغرب 7:25 PM
العشاء 8:46 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

نفي الحداثة من مجتمعاتنا وثأر التاريخ

الكاتب: منير الخطيب

درجت النخب في بلادنا، منذ مطلع عصر النهضة، تحت ضغط الشعور بالدونية إزاء الآخر من جهة، وتحت ضغط سيكولوجيا الذات الجريحة من جهة ثانية، درجت على إيجاد التوليفات الانتقائية، التي تتسم "بالهبش" الأيديولوجي من التراث ومن العصرنة معاً .

أرادت هذه النخب، كما يقول ياسين الحافظ، الدخول خلسة ًإلى العصر، أو بمباركة من التراث، لذا أقامت مصالحة "مدلسة" مع التقليد أدت إلى "تقلدة" الأفكار والمفاهيم الحديثة. فكان "مكر" التاريخ بالمصطلح الهيغلي، واقفاً بالمرصاد لظاهرة إقصاء الحداثة من حياتنا الثقافية والاجتماعية.

ثأر التاريخ بالأمس من "اشتراكياتنا" الكدحانية، التي أوّلت ماركس وأخواته تأويلاً استبدادياً، بقطعهم عن جذرهم التنويري، وباقتلاعهم عن ديكارت وسبينوزا وجان جاك روسو وهيغل وفيرباخ، فآلت تلك "الاشتراكيات" إلى تعميم الجهل والفقر والاستبداد والتأخر بكافة صوره، وأنتجت الأرضية الأيديولوجية لنمو وصعود حركات التطرف الديني.

ولم تستطع حل إشكاليات التكسير العمودي في مجتمعاتها، لا بل تراكبت عليه، ووظفته توظيفاً سياسوياً ومصلحياً، رغم خطورة ذلك على قضية الاندماج المجتمعي، بالتالي وصلت إلى التصحر المادي والروحي، وإلى استلاب البشر سياسياً وثقافياً واقتصادياً، فالاستلاب في أحد أهم أشكاله هو تفارق النتائج عن الأهداف بتدخل مكر التاريخ.

كذلك نجد اليوم إنزياحاً، لدى نخب الأمس اليسارية والقومية/الاشتراكية، إلى تبني الديمقراطية بوصفها أيديولوجيا خلاصية، بنفس الأدوات وبذات المناهج والعقليات التي كانت تحكم خلاصيتهم الاشتراكية.

إن عزل المسألة الديمقراطية عن امتدادها الحداثي، يحولها إلى مجرد شعار سياسوي وأيديولوجيا تعبوية، أي اختزالها بصندوق الاقتراع، أو إلى تسويات " توافقية " بين تشكيلات اجتماعية ما قبل وطنية، كما في الحالتين اللبنانية تاريخياً والعراقية حديثاً. كما أن عزل لحاء الديموقراطية عن نسغها الحداثي، يحولها إلى مجرد استثمار في الكم، وطغيان أكثرية عددية ذات طبيعة سكونية ودهرية على أقليات لن تستطيع التحول أبداً إلى أكثرية، بحكم السيماء الإثنية أو المذهبية أو الطائفية لطبيعة الأقلية والأكثرية في المجتمعات المتأخرة. بعكس الأقلية والأكثرية السياسيتين، إذ تتحول إحداهما إلى الأخرى وبالعكس بحكم طبيعة الحياة السياسية الحديثة.

إن النظر إلى حالة التحشيد و التجييش الطائفي و المذهبي ، التي ترافق الحملات الانتخابية النيابية اللبنانية ، بعد أربع سنوات من شعارات الحرية و السيادة والاستقلال و بناء الدولة ، والنظر إلى حرب السيارات المفخخة بين الشيعة و السنة ، والتوتر المكبوت حيناً و المتفجر حيناً آخر بين العرب والأكراد في الحالة العراقية بعد انهيار السلطة الشمولية ، والنظر إلى مناشدة الكويتيين أميرهم لحل البرلمان ، بعد أن حولته السلفية الدينية إلى محكمة تفتيش ، والنظر إلى الحالة الفلسطينية التي حسمت فيها الخلافات السياسية عبر فوهات البنادق و ليس من خلال قنوات البرلمان .

يمكننا القول : أن التاريخ كما ثأر بالأمس من " الاشتراكيات " المتأخرة ، يثأر اليوم من " الديموقراطيات " المتأخرة أيضاً . فالديموقراطية مقطوعة عن الحداثة تساوي الاحتراب الداخلي في أسوأ الحالات ، وفي أحسن الحالات تساوي الاستبداد الأكثروي بالمعنى الإثني أو الطائفي .

هذا يدعونا إلى الدعوة لتأسيس الديموقراطية على منظومة الحداثة من علمانية و أنسية و عقلانية ومواطنية و سيادة للقانون الوضعي و لدولة الحق و القانون و ... إلخ. والديموقراطية كما يقول المفكر الراحل إلياس مرقص هي : الليبرالية مضافاً إليها مفهوم الشعب، وهو غير النزعة الشعبوية، هو مفهوم سياسي بامتياز يشكل حداً على الليبرالية، ويمنع تحولها إلى أوليغارشية نخبوية، كما أن الليبرالية تشكل حداً على الديمقراطية، وتمنع تحولها إلى مسار لطغيان جماهيري.

لا ديمقراطية بدون الحداثة، وعلى الأخص ذروتها الدولة المدنية الحديثة، الديمقراطية بدون الدولة هي فوضى واستبداد طوائف وعشائر وأثنيات وهذا هو ثأر التاريخ.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...