تركيا وغزة وذكرى هزيمة حزيران
الكاتب: ابراهيم دعيبس
راية نيوز: امس كانت ذكرى حرب 5 حزيران 1967 التي لم تكن نتائجها هزيمة عسكرية ساحقة واحتلال اراض عربية واسعة فقط، ولكن تراجع التفكير القومي وبدء سيطرة التوجهات الاسلامية التي تعززت بعد انتصار ثورة الامام الخميني عام 1979 والذي تتصادف ذكرى وفاته مع ذكرى حرب حزيران.
وجاءت الانظمة العربية المشغولة بهمومها وقضاياها الداخلية الخاصة ، كمحاربة المعارضة وضمان استمرارها بالحكم والتوريث، لتعمق المأزق وتضاعف التوجهات الاقليمية والطائفية. اليوم لا نجد رئيسا عربيا واحدا مستعدا للتخلي عن الحكم حتى اخر رمق في حياته، سوى ابو مازن، ولا نجد رئيسا واحدا لا يفكر في توريث احد ابنائه بعد عمره الطويل. وفي هذه الاجواء تراجع اليسار العربي كله ويكاد يكون قد فقد دوره كليا، وخلا الميدان لكل انواع التنظيمات والمجموعات والاجتهادات الاسلامية، وساد ما يسمى بالاسلام السياسي شعبيا واجتماعيا وتفكيرا وممارسة.
اليوم نرى تجليات هذه الحالة في اوضح صورها.
لقد ارتكبت اسرائيل حماقة سياسية من الدرجة الاولى حين هاجمت قافلة اسطول الحرية بالطريقة الدامية وسط المياه الدولية، وبين المتضامين شخصيات سياسية واعتبارية من الدرجة الاولى واعلاميون كثيرون. كانت غالبية المتضامنين والضحايامن الاتراك، وكان التنظيم الرئيسي والانطلاق الاكبر من تركيا، وتصدت انقرة لتقود الرأي العام الدولي ضد اسرائيل وصارت المعركة وكأنها بين تركيا واسرائيل في سبيل غزة وفلسطين. حتى حين اتخذت مصر قرارها بفتح معبر رفح في الاتجاهين ولاشعار اخر، لم يلق الامر ما يستحقه من اهتمام وظلت الاضواء مركزة على تركيا التي اصبحت زعيمة العالم العربي وعلى اردوغان الذي اصبح عبد الناصر العرب الجديد، ولكن من منظور اسلامي وليس قوميا.
كان العرب مشغولين رسميا باجتماعات جوفاء وتوصيات لاجتماعات اخرى وتهديد بالذهاب .. الى مجلس الامن حيث تقف اميركا بالمرصاد لكل تحرك ضد اسرائيل، وحيث القرارات ارخص واقل اهمية من حبر عل ورق. وفي حين كانت دول كثيرة تسحب سفراءها او تستدعيهم من اسرائيل، كانت «العلاقات»العربية الاسرائيلية علىحالها، بل ان وزيرا اسرائيليا بارزا كان يبرر الجريمة ويوجه الاتهامات من قطر التي تقود فضائيتها «الجزيرة» كل الحملة الاعلامية ضد اسرائيل وتستضيف طويلا المتحدثين والرسميين الاسرائيليين وبينهم نائب الوزير المغرق بالتطرف والعنصرية داني ايالون مما اثار وبحق مستشارة الرئيس السوري بثينة شعبان لتنتقد ذلك على الهواء مباشرة.
تركيا دولة كبيرة وقوية وهي تسعى الى دور اقليمي وهذا من حقها وواجبها ومسؤولياتها ايضا. وقد نجحت وصارت دولة مركزية من الدرجة الاولى في الشرق الاوسط، سواء من خلال الازمة الحالية او ما يتعلق بالملف النووي الايراني او بالعلاقات مع سوريا وتجاوز قضية لواء الاسكندرون السوري الذي تحتله تركيا، او بالعلاقات التي تتحسن مع مواطنيها الاكراد او بعلاقاتها مع بغداد حيث يقوم رئيس اقليم كردستان العراق بزيارة رسمية لها. وتملك انقرة قرارا مستقلا رغم عضويتها في حلف الاطلسي وعلاقاتها القوية مع اميركا حين رفضت، مثلا عبور القوات الغازية للعراق من استخدام اراضيها بينما سمحت الدول العربية المعنية كلها بذلك، وما تزال.
تقف تركيا اليوم، عين على قيادة العالم الاسلامي على خلفية الجذور والاسس الاسلامية للحزب الحاكم، العدالة والتنمية، وعين على اوروبا والغرب عموما، ومحاولاتها المستمرة الانضمام للاتحاد الاوروبي والعلاقات الاستراتيجية مع اميركا وحلف الاطلسي. والعلاقات المتوترة مع اسرائيل مرشحة للتصعيد ولا سيما بعد التعبئة الشعبية على ضوء تشييع الضحايا الاتراك والتظاهرات المتبادلة وحرق الاعلام، ولكنها لن تصل - حسب معظم المراقبين - حد القطيعة الكاملة.
في كل الاحوال لقد نجحت تركيا في هز ضرورات الحصار ومبرراته، وبات العالم يجمع على المطالبة برفعه، حتى ان نتانياهو يقترح قوات دولية لمراقبة الوضع اي القبول مبدئيا بتخفيف الحصار، كما نجحت في ان تصبح ناطقا وقائدا في الصراع العربي - الاسرائيلي، يرفع المتظاهرون العرب اعلامها وصور قادتها، وباتت تستقطب كل الاسلاميين المعتدلين في كل انحاء العالم. وهي تظل رغم ذلك كله، لها حساباتها ومصالحها الخاصة التي لن تستطيع تجاوزها، وفي المقدمة ارتباطاتها بالاطلسي والغرب وعلاقة الحزب الحاكم بالقوى العسكرية والعلمانية الداخلية . ان بروز تركيا بهذا الدور الكبير يشكل بالتأكيد صرخة في آذان وعقول بعض القادة العرب لعلهم يستيقظون على ادراك المياه التي تنساب من تحت كراسي حكمهم. وفي التطورات كلها دعوة اكيدة لنا ايضا لتحقيق المصالحة والاستفادة من الاجواء الايجابية القوية ضد اسرائيل وسياساتها والحصار وبداية تفككه.
*تقف تركيا اليوم، عين على قيادة العالم الاسلامي على خلفية الجذور والاسس الاسلامية للحزب الحاكم، العدالة والتنمية، وعين على اوروبا والغرب عموما، ومحاولاتها المستمرة الانضمام للاتحاد الاوروبي والعلاقات الاستراتيجية مع اميركا وحلف الاطلسي. والعلاقات المتوترة مع اسرائيل مرشحة للتصعيد ولا سيما بعد التعبئة الشعبية على ضوء تشييع الضحايا الاتراك والتظاهرات المتبادلة وحرق الاعلام، ولكنها لن تصل - حسب معظم المراقبين - حد القطيعة الكاملة.



