أهكذا يكافأ الاوفياء !!!
الكاتب: عكرمة ثابت
اذكر جيدا ، في ذكرى مرورعام على سقوط غزة في قبضة الانقلابيين ، تلك الصحفية - المنحدره من عائلة مناضلة فيها من الشهداء والاسرى والجرحى والمبعدين تاريخ ومسيرة زيّنا سجل النضال الفلسطيني - التي كانت تصول وتجول بين مقر المقاطعة ومبنى التلفزيون الفلسطيني في مدينة رام الله ، سعيا لإطلاق موجة من البث المفتوح عن ذلك الانقلاب الاسود الدامي الذي نفذته المليشيات المسلحة لحركة حماس على الشرعية الفلسطينية في قطاع غزة ، وقد بذلت الزميلة الاعلامية المذكورة جهدا مميزا في رصد وتجميع وتوثيق مشاهد الاجرام والتنكيل والتدمير التي احدثها الانقلاب ، والتي لا زالت محفورة في الذاكرة الفلسطينية وعلى صدور وسيقان قوافل المناضلين الناجين من مقصلة الاغتيال السياسي ، وفي يوميات اولئك الذين لا زالوا مختطفين او ملاحقين من قبل عصابات الخطف والقتل والتخريب .
كانت " وفاء النجار" في أوج عطائها المهني وانتمائها الصادق لرسالة الاعلام الملتزم ، ولم تيأس يوما من صعوبة الطريق الذي خطته بقلمها النابض بحرية الكلمة وشجاعة التعبير ، وكان صوتها يصدح في فضاء الليل الموحش بويل الاحتلال والحصار وبظلم الانقلاب والانقسام ، وقد طافت بين محافظات الوطن المنشطر الى كانتونات تحاصرها الحواجز العسكرية وقوائم منع التنقل والمرور لتعلن عن اطلاق مهرجان تراجيدي عنوانه " غزة الى أين ؟!! " ، وهذه هي المرة الثانية التي اتعرف بها على صوت غزة المذبوح بسيوف الاخوة الاشقاء .
وفي يوميات العرس الفتحاوي الاخير في مدينة بيت لحم ، كانت ساحة الاستقبال في فندق "الانتركونتنتال" تعج بالمشاركين والوافدين والاعلاميين ومن ضمنهم " وفاء " ، وتلك هي المرة الثالثة التي التفت فيها الى حيوية الصحافة الفلسطينية ونشاطها وحضورها المتميز - والحقيقة هنا لا يمكن انكارها - فقد عملت " أم فؤاد " ليل نهار من خلال برنامجها المميز " الطريق الى المؤتمر" والذي فيه انتصرت - بانتمائها ومواظبتها - لفتح ومؤتمرها الحركي ، تماما كما انتصر له كل من شارك فيه وحرص على انجاحه .
وتكرر الموقف نفسه عندما شاهدت - صدفة - على شاشة فضائية " الفلسطينية " حلقة من برنامج " ما بعد المؤتمر " الذي تشرف عليه بوفاء واخلاص " ذات الاعلامية " التي كانت تصول وتجول بصعوبة لاحياء ذكرى الانقلاب من خلال تلفزيون فلسطين تارة ، ومن على مسرح القصر الثقافي تارة اخرى ، وهي نفسها " فتاة الاعلام الحر" التي صالت وجالت - متطوعة بلا أجر- اروقة المؤتمر السادس لحركة فتح ، لاتفاجأ - بعدما لم تكتمل فرحتي - انها نفسها " وفاء النجار " التي اوقفت عن عملها بفضائية " الفلسطينية " بلمح البصر ودون سابق انذار !!!
لا اخفي عليكم ، انني حتى اللحظة ، لا اجد ما يبرر هذا السلوك في الاصرار على ممارسة نهج الاقصاء التعسفي ، ولا زلت ممتعضا من عدم قدرتنا على حماية ابنائنا من شرور سوء الادارة والمعاملة التي تلاحقهم حتى في اماكن عملهم ، وما يزيد من الامتعاض ان مؤتمرا - قامت له الدنيا ولم تقعد- كان من اهم انجازاته هو التعبير عن الاصلاح والاستنهاض والتعمير ، ولفظ ورفض ادوات الفساد واقصائها ، تتوج نجاحاته بتفشي معوقات الاصلاح وسلوكيات الهدم والتدمير!!! فهل هذا هو ما كنا ننتظره بعد عشرين عاما من الترهل والتآكل ؟!! وهل هذه هي سياسة الاصلاح والاستنهاض بفتح ومؤسساتها واطرها ؟!! هل هذا هو الوفاء لابناء فتح المخلصين الامناء ؟!! وهل هذه هي الطريقة التي بها يكافأ من سهر وجد وتعب لنصرة الفكرة والمبدأ ؟!!
لست متأكدا ، على الاقل حتى لحظة كتابة هذا المقال ، ان كانت الزميلة " وفاء النجار " هي الضحية الأخيرة لمسلسل " الاقصاء والتهميش " الذي مللنا منه ؟!! ام انها هي اول الضحايا في سياسة " الاحلال والاستبدال " بابناء القرابة والعشيرة ؟!! كما ان شكوكا يراودني فيما اذا كانت فضائية " الفلسطينية " بحق هي مؤسسة فتحاوية عامة ، او انها مجرد شركة استثمار خاصة يملكها ويديرها " الاب " ومن حوله " الابناء والاقارب " ؟!!!!!
ومع هذا ، فأنني اصر على التأكيد بأن نجاح مؤتمر فتح الحقيقي والعملي ، لا يكمن فقط بانتخاب قيادة جديدة لها ، بل في اعادة بناء وهيكلة المؤسسات التابعة لها ، وتفعيل اطرها المختلفة وتنشيطها بآليات تعزز مبدأ الرقابة والمسائلة ، وتحارب بقوة كل مظاهر الفساد وسوء الادارة ، وعلى اللجنة المركزية لحركة فتح - التي حازت على ثقة ابناء الحركة - ان تضع على سلم مسؤولياتها وبأمانة مطلقة ضرورة خلق وتفعيل المؤسسة الاعلامية الفتحاوية ، فقد بات ذلك من الاحتياجات الهامة والمطالب الاستراتيجية التي تفتقر لها الحركة .
إن فضائية " الفلسطينية " وان كانت تابعة - كما يقال - لحركة فتح ، يجب ان تبنى وتؤسس على ركائز ادارية ومهنية متينة بعيدا عن اي مظهر من مظاهر الهيمنه والاستفراد والاستملاك ولتحقيق ذلك هناك فرصة لا زالت قائمة ، خاصة وان مشوار الفضائية لم يبدأ بعد ، فهي لا زالت في مرحلة البث التجريبي وفي طور البناء والتجهيز ، الامر الذي يؤكد على اهمية ان يتحمل اعضاء مركزية فتح الجدد - وفي مقدمتهم قائد الحركة الاخ الرئيس " ابو مازن" - المسؤولية الفعلية في بناء وهيكلة وتوجيه عمل هذه المؤسسة الاعلامية الواعدة ، والتي انتظر الفتحاويون طويلا ولادة انطلاقتها ولا زالوا يعّولون عليها كثيرا في استعادة مكانة حركتهم ودورها الريادي في مسيرة البناء والاستقلال .



