خطوة طيبة رغم تأخرها
الكاتب: إبراهيم ابوالنجا
رايه نيوز: مصر عبر التاريخ كانت رافعة للأمة والتاريخ العربي ، ومنها انطلقت الحملات لمواجهة الغزوات الأجنبية على اختلاف مسمياتها وأهدافها ، واستطاعت تخليص الأمة من كل من استهدفها ، من تتار ، وفرنجة ، ومد صهيوني ، وأنجلو فرنسي.
دفعت مصر ثمن ذلك أرواحاً كثيرة ، واقتصاداً كبيراً ، وتحطمت على صلابة صخرتها المؤامرات كافة ، واستحقت وبجدارة أن تكون حامية الأمة ، والرافعة الحقيقية لكل التواقين إلى الحرية من الشعوب المضطهدة ، فقد احتضنت حركات التحرر كافة عربية ، وإفريقية ، وأمريكية لاتينية ، وآسيوية .
وما المؤامرات والحروب التي شنت على مصر من قوى الشر المتحالفة ، إلا انتقاماً من دورها ، وتحجيماً لسياستها ، وفرض إغلاق حدودها على نفسها .
اعتمدت مصر على قدراتها في كل مراحل الصراع دفاعاً عن أمتها وعن أراضيها ، لأنها وعت دورها الإنساني ، إزاء الشعوب وحركات التحرر ، واضطلعت برسالتها وكانت أمينة لمنطلقاتها ومبادئها ، في دعم وإسناد المتطلعين إلى الإنعتاق من بوتقة الاستعمار .
اقتصاد مصر لم يكن قويّاً ، وقوة مصر لم تكن في وضع يؤهلها أن تتحمل تبعات وتداعيات مواقفها على الجبهات كافة .
ولكن الإرادة العظيمة التي تسلحت بها ، وإيمانها وصدقية مواقفها ، ووفاءها لمبادئها ودورها ، جعلها في نظر العالم قوة لا تقهر .
ولئن كان يؤخذ على قياداتها المتعاقبة أنها حمّلت شعبها الكثير من المعاناة ، وكان ذلك على حساب التنمية الداخلية ، وكان يراد لها أن تنكفئ على ذاتها ، وتدع الآخرين وشأنهم ، وستجني أو تلاقي دعماً ولكنه دعم مشروط .
إلا أنها آلت على نفسها إلا أن تظل على عهد الشعوب المقهورة بها ، وكذلك الإبقاء على سياستها بعيدة النظر لمعرفتها أن مواجهة المؤامرات المستهدفة لها ولتطلعاتها ، لا تتم بصدها على أرضها فقط ، ولكن بإسناد أصدقائها ، والأشقاء المستهدفين ودعمهم في مواجهة المؤامرات على بلدانهم ، لقد تمثل ذلك في مواقفهم إزاء قضية الشعب الفلسطيني ، وفي وقفتهم اللامحدودة مع شعب الجزائر ، ليس فقط في سنوات الثورة التي دامت سبع سنوات ونصف ، ولكن إلى ما بعد ذلك .
وتمثل في مشاركة جيشها إلى جانب ثورة اليمن ، التي حولت الشعب اليمني ، من شعب يحكمه المشعوذون المتخلفون ، من شعب يعيش في العصر الحجري ، إلى شعب رأى نفسه ضمن شعوب الأرض المعروفة ، ووجد نفسه على خارطة العالم والشعوب ... بل أصبحت الدولة جمهورية يحسب لها حساب ، على الأصعدة كافة بحكم موقفها ودورها الجديد .
ولا أحد ينسى مقولة القائد العربي الكبير الشهيد جمال عبد الناصر رحمه الله ، عندما قال : على الاستعمار البريطاني أن يحمل عصاه ويرحل عن جنوب اليمن ، وكان محتلاً آنذاك من قبل البريطانيين ، ورحل بالفعل مدحوراً بفعل ثورة جنوب اليمن المدعومة من أشقائها قيادة مصر الشقيقة الكبرى لأبناء الأمة كافة .
ولا ينسى أحد موقفه كذلك ، عندما تعرضت مدينة بنزرت التونسية ، حيث كانت تقيم عليها القاعدة الفرنسية ، ورغم أن العلاقات لم تكن طيبة مع الرئيس الراحل الحبيب بورقيبة رحمه الله. إلا أن جمال عبد الناصر قال قولته الشهيرة : أنا وابن عمي على الغريب .
ورغم المؤامرة الكبرى على مصر في عدوان 1967 وأن أجزاء كبيرة من أرضها كانت محتلة . إلّا أنها لم تنكفئ بل انطلقت بدعم حكومة نيجيريا التي كانت تتعرض لانشقاق مسلح مدعوم من القوى الخارجية المعادية ، وتمثل الدعم بطيارين مصريين ، شاركوا في إلجام حركة الانفصال ، وتدريب الطيارين وإصلاح الطائرات المعطلة ، وانتصرت الحكومة الشرعية الصديقة لمصر والداعمة لسياستها في مواجهة الاستعمار والاحتلال .
ولا أحد ينكر إسقاط حلف بغداد ، وإقامة دولة الوحدة بين مصر وسوريا ، والتي كانت نواة للوحدة العربية الشاملة ، وهي الشغل الشاغل للقيادة الثورية المصرية .
وفي عهد الرئيس السادات رحمه الله ، ورغم أن الأراضي المصرية مازالت محتلة في حرب 1967 إلا أنه أرسل قواته بتشكيلاتها لمساندة حكومة جمهورية الكونغو في مواجهة المؤامرات المستهدفة لوحدة ترابها والمدعومة من القوى المعادية للتحرر والحرية والإنعتاق .
حدث ذلك وفي ظل بناء القوة المصرية استعداداً للمواجهة الكبرى لتحرير الأرض وإزالة آثار العدوان في حربها مع الكيان الإسرائيلي ، في العاشر من رمضان عام 1973 .
ولئن اعتمدت بعدها سياسة الإعمار ، وإعادة المهجرين من مدن القناة ، وبناء اقتصادها ، وهذا ليس خطأ ولكنه أتبع بسياسة مختلفة عن السياسات السابقة . فيؤخذ على القيادة المصرية أنها تركت السودان يعاني من المؤامرات التي استهدفت النيل من وحدة ترابه ، حيث تعرض شرق السودان وغرب السودان إلى مؤامرتين انفصاليتين ، بالإضافة إلى مؤامرة انفصال الجنوب ، مما دعا السودان لتقبل الجلوس مع المتمردين في أكثر من دولة افريقية ، سواء في ارثيريا ، أو أثيوبيا ، أو تشاد ، أو كينيا ، إذ ما كان يجب أن تغيب مصر عن دورها إزاء السودان ذي العمق الاستراتيجي التاريخي ، ولئن حكم الموقف المصري حادثة الاغتيال التي تعرض لها السيد الرئيس حسني مبارك على أرض مطار أثيوبيا ، على أيدي عناصر ثبت أن وراءها قيادات سودانية ، وكذلك مشكلة حلايب الحدودية حيث حقول النفط .
وعلى خطورة وأهمية الحادثتين إلّا أن ذلك ما كان يجب أن يحد من دور مصر إزاء السودان .
وهنا استغلت إسرائيل وحلفاؤها ما سمي بأن مصر ملتهية بأوضاعها الداخلية ، وزادت من تغلغلها في المناطق ذات العمق لتحاصر مصر ولتنال من أهم مصدر حياتي وهو منابع وروافد نهر النيل ، الذي قيل عنه إن مصر هبة النيل .
ولئن اعتبرت مصر أن اتفاقية 1929 حول اقتسام مياه النيل ، وأن الاتفاقية تحفظ لها حقوقها من المياه ، إلّا أن التأثير الصهيوني والمدعوم من القوى المعادية ، استطاع أن يفعل فعله في سياسة الدول الإفريقية المشاركة في مياه النيل ، وأخذ ت تطالب بإلغاء المعاهدة لأنها في زمن الاستعمار ولا بد من توزيع جديد للمياه ، وهذا يحرم مصر من حصتها الحالية وسيؤثر ذلك على الوضع الاقتصادي بأشكاله المختلفة .
حتى أن بعض الدول كإثيوبيا اختلقت إفتئاتة جديدة ، بزعم أن مصر تقف وراء حركة تحرر أو تمرد في أثيوبيا رغم تأكيد الرئيس المصري محمد حسني مبارك بعدم صحة ذلك على الإطلاق ، ولكنها المؤامرة الجديدة والتحرش المطلوب وقد يكون له بعدٌ آخر .
استرعى انتباهنا منذ ثلاثة أيام ندوة لمجموعة من المفكرين والسياسيين والنواب وأساتذة الجامعات المصريين في الفضائية المصرية كانت تدور حول سياسة مصر السابقة والحالية والقادمة .
أجمع المشاركون في الندوة على قصور السياسة المصرية وعدم التفاتتها إلى أهمية الدول الإفريقية سواء كانت تلك التي على نهر النيل ، أو الدول الإفريقية الأخرى .
كما أجمعوا على أن سيناء لم يطلها ما تستحق من الاهتمام والكل يعرف ماذا تعني سيناء بالنسبة لمصر والتي كانت معبراً للغزاة ، وطريقاً سهلاً وممهداً لخلوها من السكان ، وهي تكتنز من الثروات العديدة ما يؤهلها لأن تستوعب أكثر من عشرة ملايين من البشر .
إن البوادر المؤلمة اليوم ، تلك التي يراد تحقيقها على أرض السودان من فصلٍ لجنوبه عن شماله ، وهذا يعني متاعب جديدة لمصر وقد درست بدقة وهدفها معروف ولن يسمح بإقامة كونفدرالية في إطار السيادة السودانية ، وما صدر عن الإدارة الأمريكية هو قرار نهائي أي أن الانفصال قائم لا محالة .
وللعلم فقد سبق وأن تناولنا هذا الموضوع في مقالات سابقة محذرين من خطورة هذه الخطوة التي لم ينتبه إليها أشقاؤنا من قبل ، ومما يؤسف له أن جامعة الدول العربية متحمسة لعملية الاستفتاء أي عملية الفصل عبر إرسالها لوفد يشارك ليضفي الشرعية على العملية . وقد تم تناول ذلك في مقالة سابقة بعنوان : حتى أنت يا جامعة الدول العربية !!! .
في حركته الأخيرة لعواصم دول الخليج صدر عنه أي عن السيد الرئيس محمد حسني مبارك مواقف طيبة تذكر بمصر وبدور مصر وتحذر من المساس بسيادة الدول الشقيقة .
إنها خطوة طيبة لا بد أن تتبعها خطوات كثيرة على الأصعدة كافة ... ولئن جاءت متأخرة إلا أنها أفضل من أن لا تأتي .
وهذا يتطلب اصطفافاً عربيّاً حول هذا الموقف الشجاع وعلى الدول أن تسلم بدور مصر صاحبة الهدف الواحد والواضح : على الأمة أن تستعيد مكانتها في مواجهة المتربصين بوحدة ترابها وفي مواجهة سياسة سايكس بيكو .. أمريكو الجديدة ، وسبق أن تم تناول ذلك في مقالة تحمل العنوان أعلاه .
وعلى الفضائيات المغذاة من أموال غربية أن تتوقف عن التعبئة الحاقدة والموغلة للصدور واعتماد سياسة وخط إعلامي عربي خالص ، تتربى عليه الأجيال العربية القادمة ، لا أن تورثها الحقد وتزرع بينها بذور الخلافات ، وأن تستخلص العبر من الدول الأوروبية التي استطاعت أن تشكل النموذج المثالي في وحدتها وتضامنها ، وتخليص دولها من الأزمات كافة التي تتعرض لها .
هذا بالإضافة إلى الإعلام الرسمي العربي الذي يتحمل مسئولية تغييب أبناء الأمة عن قضايا أمتهم.



