لغتنا الجميلة.. والمتفوقة أيضاً!
الكاتب: علي الخليلي
رايه نيوز: كان يمكن للمسألة أن تكون غير هذه. ولكنها كانت "هذه" بالضبط. فكيف صار؟.
في الخبر المفصل الذي تحدث عن افتتاح الندوة الدولية الثالثة حول التعددية اللغوية والعولمة والتنمية، في مكتبة الإسكندرية في الأسبوع الماضي، توقفت متأملاً، عند فقرة بذاتها، وردت في كلمة أحد المشاركين في هذه الندوة، الخبير المختص أنطوني مير مدير بيت اللغات "لينغوامون"، وقد رأيت أنها غير عادية، إلى حد كدت فيه أن أشكك بمضمونها المثير! تقول الفقرة: "أثبتت الدراسات أن أكثر اللغات المستخدمة على موقع فيسبوك في العالم، هي الأسبانية والبرتغالية والعربية. وإنني أتوقع أن يكون للغة العربية دور أكبر في السنوات المقبلة في هذا المجال".
تساءلت بإحساس العربي المأزوم في كل ما يواجهه على مدار مختلف التحديات الحضارية، فيما إذا كان من المعقول حقا، أن تتفوق لغتنا العربية على اللغة الإنجليزية مثلا، في هذا الشأن الألكتروني العولماتي الحديث؟ وحين حملت نص الفقرة إلى آخرين لم يسبق لهم أن قرأوه، شاركوني في التساؤل نفسه، وزادوا عليه برد متهكم من عندهم "أنت، أو كاتب النص، أو قائله، تحلمون!".
عدت إلى عدة مصادر، غير الصحف التي نشرت الخبر المعني، لأقطع الشك باليقين كما يقال، فتأكد لي أن الخبر كله صحيح تماماً، بنصه وكاتبه وقائله وناشره، وبفقرته التي أثارتني، على وجه التحديد.
إلى ذلك، وجدت أن السؤال الأصح، وليس مجرد التساؤل، هو لماذا تتفوق لغتنا العربية فعلاً، في موقع "فيسبوك" على لغات أخرى أكثر منها انتشاراً في العالم، مثل الإنجليزية وغيرها؟.
ومع أنني لست خبيراً بعلم اللغات وانتشارها، إلا أنني رأيت أن الرد على هذا السؤال لا علاقه له بهذا العلم وقوانينه ومحدداته، قدر علاقته بالواقع الذي يعيشه الإنسان العربي، بشكل عام، على مستوييه السياسي والاجتماعي. فعلى المستوى السياسي، يختنق هذا الإنسان بأنظمة لا تسمح له، عبر وسائل إعلامها ومنابر ومناهج مؤسساتها التعليمية والتربوية، إلا بما يسبح بحمدها على مدار الساعة. كما يجد هذا الإنسان المخنوق نفسه أيضا، مقيدا إلى درجة الشلل والتكلس، بتقاليد وعادات مجتمعية منغلقة على القسوة والقمع والتحريم.
في مواجهة هذا الخنق المنهجي والمزمن، كان "فيسبوك" وسواه من المدونات والمواقع الألكترونية، أداة الفرد العربي (وأعني به الفرد المثقف والمتعلم القادر على استخدام الحاسوب وتقنياته المتقدمة)، في تحقيق ذاته الحرة، بعيدا عن سطوة المستويين السياسي والاجتماعي.
إن اندفاع هذا الفرد، إلى درجة الهوس أو الشغف، نحو المزيد المتواصل من استخدام هذة الأداة التي تقارب عمليا، وضع "المخلص" أو "المنقذ" له من الرقابة الصارمة التي تحيط به من كل جانب، يعني على الفور، أن اللغة العربية سوف تكون بعد عقد أو عقدين، هي الأولى في هذا المجال، قياسا لبقية كل لغات العالم، ليس لأنها اللغة الأكثر انتشاراً، أو لأنها ذات القوة الأفضل في التعبير، وإنما لأن المزيد من ملايين العرب سوف يهرعون إلى "فيسبوك" وغيره من المواقع الألكترونية، باعتباره أو باعتبارها جميعاً، أدوات متاحة لهم، لأول مرة في تاريخهم المعاصر، تستجيب لحاجتهم الملحة التي تصل إلى فضاء تحديد المصير، في تحطيم القيود من حول أعناقهم وعقولهم وأيديهم، لتحقيق ذواتهم الحرة، على صعيد حقهم الكامل في حرية التعبير، على الأقل.
هل يجد أهل اللغة الإنجليزية أو الألمانية أو الفرنسية أو الصينية، إلخ، مثل هذه الحاجة لديهم، في حال الواقع المعيشي لمجتمعاتهم بمختلف مستوياتها، كما هو الحال بالنسبة للفرد العربي؟.
شتان بين الحالين! وبالتالي، شتان بين ما يرى فيه العربي من حاجته في أن يكون إنساناً حراً، ولو في أجواء افتراضية، في سياق هذه الثورة الألكترونية، وضمن جنباتها المفتوحة لوعيه المصادر وأحاسيسه المكبوتة، وبين ما يسعى إليه أهل تلك اللغات الأخرى، من عمل مغاير ومتعة مختلفة، ومن استخدام أقل، في هذا الافتراض.



