حريق الكرمل
الكاتب: هيثم شاهين
رايه نيوز: لم تكن تلك الحرائق التي نشبت في جبل الكرمل في مدينة حيفا هي بفعل فاعل أو نتيجة عمل مقصود بل كانت نتيجة إهمال شابين عربيين من أصل درزي من سكان قرية عسفيا التي يعد سكانها من العرب الدروز وذلك بعد أن كانا يقومان بعمل نزهة داخل غابات جبل الكرمل قاما خلالها بالجلوس في مكان معين ومن ثم أشعلا النرجيلة، وكانا بعد انتهائهما من النزهة قد القيا بفحم النرجيلة على الأرض التي كان جفاف هذا الشتاء وتأخر أمطاره قد شكلا أرضيه خصبة للنيران التي ما لبثت أن أشعلت فتيلها في غابات وأشجار جبل الكرمل ما تسبب بحرق ما يزيد عن خمسين ألف دونم من الأراضي بحمولتها البالغة خمسون مليون شجرة تقريبا .
وعلى واقع هذا الحريق الذي ذاع صيته وصداه في هذه الفترة صدرت الكثير من الانتقادات والتصريحات من كبار رجال السياسة في إسرائيل لإدانة هذا العمل والمطالبة بمعاقبة الفاعلين ، وذلك بحد ذاته يعتبر أمر طبيعي في مثل هذه الحالة التي يستحق فاعليها العقاب بالفعل لما تسبب به إهمالهما من ضرر كبير كلف دولة الاحتلال الكثير من أموالها ومن سمعتها أمام المجتمع الدولي الذي كثرت سكاكينه لتطعن في دولة إسرائيل باعتبارها من دول العالم الثالث بعد أن ثبت مدى التخلف الذي تعانيه في امتلاكها لوسائل الدفاع المدني وبخاصة قسم إطفاء الحرائق .
ولكن المريب و الغريب في الأمر هو ما جاء على لسان الممثل في الكنسيت الإسرائيلي عن حزب الليكود العربي الدرزي الأصل أيوب القرة والذي كانت تصريحاته من اعنف التصريحات وأشدها تطرفا بحيث طالب فيها بإنزال عقوبة الإعدام على هؤلاء الشابين العربيين في حال ثبت أن ما قاما به ناتجا عن عمل وفعل متعمد وهو ما لم يصرح به أي شخصية سياسية من المستوى السياسي الإسرائيلي البحت والذي كان من الأولى أن تكون مثل هذه التصريحات قد صدرت عنه على اعتبار أن الفاعلين هم أصلا من العرب وبالتالي لا بد من توجيه الانتقاد لهم من الشخصية اليهودية الإسرائيلية التي لا تعتبر العرب في كل الظروف شركاء حقيقيين في دولة إسرائيل ولا بأي شكل من الأشكال .
إن قيام أيوب القرة بتبني وجهة النظر الإسرائيلية قبل صدورها من أصحابها الفعليين يضعنا في موضع من الريبة و الشك حول جوهر تلك العلاقة التي تجمع العرب الدروز بدولة إسرائيل سواء من حيث شكلها ومضمونها أومن حيث نشأتها ووصولها إلى الموصول الذي وصلت إليه .
فكيف يكون لأيوب القرة العربي الدرزي الذي هو فلسطيني بالأصل ليتحدث عن أبناء عمومته بهذا النفس الصهيوني مع انه لم يكن مجبرا أصلا أو بالأحرى لم يطلب منه أن يصرح بمثل تلك التصريحات، أي كان بإمكانه أن يلتزم الصمت دون أن يكون في محل العرضة للمسائلة من أي احد في دولة إسرائيل .
من الواضح أن إسرائيل وعلى مدار تلك السنوات التي عملت فيها على بناء دولتها و منذ قيامها حاولت دائما خلق نوع معين من العلاقة التي يمكن أن يتسنى لها من خلالها إيجاد الظروف الملائمة لتسيطر على أبناء الطائفة الدرزية وذلك بإتباع وسائل واليات معينة اتبعتها دولة إسرائيل لتقوم بسلخ الهوية العربية الدرزية عن قوميتها العربية ولتخلق لها هوية قومية جديدة وهي الهوية القومية الدرزية .
لا بد أن دولة إسرائيل كانت تعرف جيدا بان الدروز يشكلون أقلية بالنسبة لغيرهم من أبناء الديانات الأخرى في الوسط الذي يعيشون فيه وهو الأمر الذي شكل لها صيدا ثمينا قامت باستغلاله اسواء استغلال وذلك عندما قامت بإقناعهم بأنها موجودة لحمايتهم من الخطر الذي يحدق بهم ويهدد بانقراضهم وبأنه هناك علاقة تاريخية تجمع بين الدروز والشعب اليهودي يعود أصلها إلى القرابة التي كانت تجمع النبي موسى بالنبي شعيب ،كما أنها لم تتوان باستكمال فرض هيمنتها عندما فرضت الخدمة العسكرية الإجبارية على أبناء الطائفة الدرزية عام 1956 وفصلت محاكم الأحوال الشخصية لهم عن محاكم الأحوال الشخصية للمسلمين عام 1962 بالإضافة إلى وضع المناهج المدرسية التي تحمل التاريخ المزور والتي كان هدفها تغذية عقول أبناء هذه الطائفة بالحقد والكراهية للعرب والمسلمين وإعدام أي دليل أو رابط يكون من شانه تذكير الدروز بأنهم فلسطينيو الأصل أو أن لهم أي علاقة بشيء اسمه فلسطين أو الشعب الفلسطيني ،بمعنى أخر مسح للذاكرة العربية الدرزية الفلسطينية وخلق ذاكرة من نوع أخر جديد تكون كل مقوماتها الأسرلة والوفاء لدولة إسرائيل .



