المصالحة وأشياء أخرى
الكاتب: عمرو خفاجى/الشروق المصرية
ليس من السهل فى هذه اللحظات، فهم كامل ما جرى خلال الأيام الماضية، وبالتالى يبقى من الصعب فهم ما سيحدث فى قادم الأيام، لذا، فى مثل هذه اللحظات لا نملك سوى عرض ما نراه لازما وضروريا لصناعة مستقبل أفضل مما كنا فيه، وأعتقد أنه لا يوجد خلاف على ضرورة البدء فورا وبجدية فى مصالحة وطنية حقيقية بين جميع القوى المتواجدة على الساحة المصرية، ومنح الكافة الأمان، حتى تعود اللحظات البديعة المدهشة التى عاشتها مصر ليلة الحادى عشر من فبراير ٢٠١١، لأنه وباختصار شديد لم يعد ممكنا الاستمرار فى حالات الخصومة بين قوى أساسية فاعلة فى الحياة السياسية المصرية، فى ظل فهم خالص أن هناك شعبا ثار مجددا له طلبات واضحة لم تتحقق حتى الآن، ولا بديل إلا بتحقيقها أو على الأقل البدء فى تحقيقها.
مخطئ من يتصور، أن المشهد الذى كان معقدا بات سهلا وبسيطا، وأنه تم فكه، وبالتالى يسهل تركيبه من جديد، بل على العكس تماما نحن أمام مشهد بات أكثر تعقيدا وصعوبة، خصوصا فى ظل دخول متغيرات جديدة بقرارات أمس الأول، وبالتالى صار لازما على الجميع التفكير فى كيفية إعادة صياغة هذا المشهد بهدوء ومن دون تشنجات أو قرارات ثأرية، تحت دعاوى ثورية، لأننا لن نخرج مما نحن فيه إلا بالتوافق، وهذا ما كنا ننصح به من كانوا فى الحكم بالأمس القريب، ورغم الشعور بابتذال الكلمة من كثرة ترديدها، إلا أنها الحقيقة الواضحة الحاكمة برشادة فى أى فترات انتقالية.
فى المقابل، يجب أن تكون الرؤية واضحة لمن تألم مما حدث، وعليه أولا فهم ما حدث، ومراجعة كافة أخطائه، قبل أن يتخذ قرارات تحركاته فى الفترة المقبلة، وما أراه مخلصا أن هناك العديد من القوى السياسية عليها التخلص من قيادتها التى فشلت فى إدارة أمور تنظيماتها، وترك الفرصة لإجيال جديدة ليست لها ثأرات أو خصومات مع الماضى، أجيال تفهم اللحظة وتنطلق عبر عصر جديد متمسكة بكل أفكارها وقيمها، لكن فى إطار واضح من المشاركة والتوافق، والحرص على كافة قيم العصر والحداثة.
إن العالم من حولنا يتقدم، ويتأهل لاستقبال كل مستجداته، بينما نحن منذ عامين ونصف العام نقف عند لحظة صراع بائسة تشتبك مع الماضى بدلا من البحث عن المستقبل، نزيد من رقعة صراع الحاضر، بعيدا عن حل مشكلات الجماهير وتلبية رغباتها، وهذا ما فعلته جماعة الإخوان، انشغلت عن مصالح الناس بصراعات حقيقية ووهمية، وطاردت مؤامرات حقيقية ووهمية، فانحرفت عن المسار الذى كان يجب أن تسلكه، فهلكت وهلكنا معها، لذا نحن نشير من البداية إلى ضرورة العمل الجاد من أجل الذين نتحدث عنهم طوال الوقت ولا نعمل من أجلهم ولو للحظة واحدة.
وليس من نافلة القول أن نكرر لمن هم فى مقدمة المشهد الآن، أن فى هذه البلاد (من نتحدث عنهم كثيرا ونعمل من أجلهم قليلا) جائعا يجب إطعامه، ومريضا يستوجب علاجه، وعاطلا لا بد من تشغيله، وغير متعلم واجب تعليمه، وكلها أمور يجب عدم الانتظار عليها بل النظر فيها والعمل على تحقيقها كحق لهم لا إحسان عليهم، وبعد ذلك اذهبوا وابحثوا أمور الحكم والسياسة دون أن تنسوا أبدا أن السيادة والشرعية والقوة أصبحت للشعب.



