صافرة إنذار أحمد قعبور لاستعادة بيروت!
الكاتب: فاطمة عبدالله
لا ندري إن كان في استطاعة المرء استعادة الجمال بالحنين إليه. أحمد قعبور هكذا، يستعيد أطاييب وجدانية مفقودة، لئلا ييأس من العدم. "بيروت زهرة"، محاولة نوستالجية لإعادة تشكيل هوية بيروت كمدينة من كيان وروح.
أغنية بمثابة صرخة فنية تجاه المدينة وكينونتها ومسرحها وشوارعها وأنفاسها. يطلقها قعبور لاستحالة العيش في مكان كان ماضيه ينبض بالحركة والتقبّل والتعدّد والنقاش والرأي، فأصبح مسلوباً بالعمران والصمت واللااكتراث الثقافي والوجداني. قعبور خَبِر المدينة وتحوّلاتها وتقلّبات البحر والألحان والعمر. في أغنيته، يشاء إنقاذها من حتمية رثائها الآتي، ومن عزلتها الروحية وتوجّسها العميق.
الأغنية لا تدّعي القدرة على انتشال المدينة من الغرق اليومي بالبرك والمستنقعات والغربة والضجر. ولا إعادة ما فُقد لمجرّد أنها تستفزّ الحنين الجمعي تجاه ماضي المدينة ورونق السُمعة والأثر. هي لفتة إلى ما أصبحت عليه بيروت من خلال استعادة رومانسية لوجوه شكّلت مسرحها وأغنياتها وتراثها الثقافي والشعبي. تصبح الصرخة عكسية. عوض البكاء على الراهن البيروتي والتردّي المخيف في الفنّ والأغنية والتراث والمساحة، يُحضر قعبور الروائع الجميلة، المختَزَلة في إيحاءات ثقافية وأسماء تحاكي الذاكرة، ويُطلق عبرها صافرة إنذار ضدّ الحال البيروتية المضطربة وجودياً، المُفكّكة بوضعيات الترف العابر والعمران الزائف والبقاء الهشّ.
تتعمّد الصورة (إخراج فريد عسّاف) ترك انطباع مُحبّب في عمق المرء المنتمي إلى بيروت الهوية والحضور والمزاج والوعي الجمالي. هنا الشكل الآخر للصرخة والنداء الفني الملتزم. تتجلّى المقارنة باستعادة بيروت الصورة والدور، يوم شكّلت مكاناً للجميع وحيّزاً حراً لمن رفضتهم مدنهم، فوجدوا في المقهى البيروتي والمسرح الشجاع، بديلاً من العزلة والخوف والقمع. هذه بيروت التي تناجيها الأغنية، بأشجارها العفوية ومقاهيها الصاخبة بالتائهين من الوحدة، ومتحفها ومسرحها ومنارتها وأضوائها، وصنّاع ألقها الغنائي؛ الرحابنة، فيروز، وديع الصافي، نصري شمس الدين، والصبوحة التي تُنير بوجهها شارع الحمراء. "بتعيش، وأبداً ما بتموت، ما بتموت، بيروت"، يختم قعبور رائعته.
نقلا عن: النهار

