الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:05 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:38 PM
العشاء 9:06 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

مش مردود

الكاتب: سما حسن


قهقه أبي المعلم المتقاعد عالياً حتى دمعت عيناه وهو يقول لي: إذن أنت تعرفين سياسة المدرسة، إن الطالب دائماً هو المخطئ، فأجبته إن الأمر قد امتد إلى المستشفيات والمؤسسات والإدارات؛ فالمريض والمواطن هما المخطئان، وهما اللذان ليسا على حق، وإن الشكوى ضد المعلم أو الطبيب أو المسؤول هي نوع من العبث وإضاعة الوقت.
أزعجتني هذه الحقائق التي راح ضحيتها من راح، بدءاً من الطلاب الذين تركوا المدارس بسبب ضياع حقوقهم وجور معلميهم، إلى المواطنين الذين تأخرت معاملاتهم، ويمكننا القول: إن هذه الأمور لا تساوي شيئاً أمام روح إنسان تزهق وأمام عاهة مستديمة يتسبب بها خطأ طبي جسيم من طبيب أو مجموعة أطباء في غرفة العمليات، والملاحظ والمؤسف هو تزايد حالات الأخطاء الطبية هذه الأيام في الضفة الغربية وغزة، علماً أننا مثقلون/ات بالفقد؛ فالشهداء والأسرى في تزايد، ولم تعد الأمهات قادرات على احتمال فقدان عزيز على يد أولي القربى، والذين هم من المفترض الأكثر علماً ودراية بجرحنا ومصابنا في وطننا.
في غزة وقعت أم شابة عانت الفقر نتيجة خطأ طبي من طبيب التخدير في غيبوبة، وقد دخلت المشفى لإجراء عملية استئصال للمرارة، وهي من العمليات البسيطة والتي أصبحت تجرى بواسطة المنظار، ولكنها لم تخرج لأطفالها سالمة، بل تم تحويلها إلى مشافي القدس بسبب تلف في خلايا المخ وأصبحت الأم الآن بين الحياة والموت، وتلاها وفاة سيدة من بيت لحم أقام ذووها دعوى ضد المشفى الذي توفيت فيه أقروا فيها أن عملية غسيل الكلى قد أجريت لابنتهم في مخزن، أما الطفل الذي دخل المشفى لإجراء عملية استئصال اللوزتين وأصيب بشلل دماغي بسبب خطأ طبي هو خلل في أحد الأجهزة، فلن يكون الأخير في قائمة تطول ولا تقصر أمام غياب قانون العقاب واجتمعت عدة أسباب لوقوع ضحايا الأطباء والمستشفيات في فلسطين.
الخطأ الطبي هو الخطأ التقصيري، ويعني كل فعل خطأ سبّب ضرراً للآخرين بمعنى أن الطبيب ملزم بالقيام بواجبه وبذل الجهد، ولكنه غير ملتزم بتحقيق النتيجة، وعليه أن يكون طبيباً يقظاً وملتزماً بالأعراف والأصول الطبية، وعلى ذلك يندرج تحت قائمة الأخطاء الطبيبة ما يعرف بالأخطاء الجسيمة، مثل: الإهمال والرعونة وإفشاء أسرار المريض وعدم الاحتراز لكل النتائج، ومخالفة القوانين واللوائح وفي حال قيام الطبيب بأحد هذه الأمور فهو يصبح مسؤولاً وتحت طائلة القانون ويعاقب بالحبس والتعويض.
وبناء على هذا التعريف القانوني يجب على أولي الأمر في فلسطين إقرار قانون صارم يبدأ بمنع الواسطة في التعيين، والتحري من مصداقية شهادات الأطباء التي يعودون بها من الخارج، وإجراء الامتحانات النزيهة لهم قبل التعيين، علاوة على تقديمهم لدورات متواصلة بخصوص التعامل مع الأجهزة في المشافي وصيانة تلك الأجهزة بصفة دورية لأن أي عطب فيها يهدد حياة إنسان ويزهق روحاً طاهراً، ويصبح الخطأ هنا ليس مردوداً ولا مستدركاً؛ حيث لا يمكن إصلاحه أو تجاوزه بأي طريقة بعد نفاذ السيف في عمق الجرح.
للأسف إن السماح والتهاون في حدوث الأخطاء الطبية هو السبب الأول لتهاون الأطباء في علاج أحبتهم، وتحول المواطنين الصالحين إلى أشخاص غير فاعلين ومنهكين صحياً، علاوة على انتشار تجار الموت بصورة أخرى وأقصد بهم مدعي العلاج الروحاني والطب البديل والأعشاب والحجامة وغيرها، وكلها وسائل جديدة ومستحدثة لاستنزاف أموال الناس وتدمير صحتهم، وهي في تزايد بسبب ما يشاع ويتحول إلى حقائق أمام المواطن عن الطبيب الذي أمضى سنوات في الجامعة يدرس الطب وأنه سيقع في خطأ يودي بحياته، فيتجه المريض لمعالج بالأعشاب والخلطات والتركيبات، والتي تعود بأضرار جسيمة عليه؛ لافتقادها للرقابة ولتهرب أربابها من القانون ولوجود من يغطي نشاطاتهم ويدعمها، مثل أن يتعاقد أحد المعالجين الروحانيين مع عطار بدعوى أنه الوحيد الذي يتوفر لديه خلطة شفاء من الصرع مكونة من سيقان نملة يتيمة ومخ عصفور عقيم.
قبل أيام، كنت بصدد التفكير بإجراء عملية لصغيرتي، وحين علمت جارتي الطيبة بدأت تعدد لي الأخطاء الطبية التي سمعت عنها طيلة حياتها، والتي كنا نضحك منها ونعتقد أنها مجرد نكات وفكاهات للضحك، فقالت لي: هل تذكرين الطبيب الذي نسى نظارته في بطن المريض، والطبيب الآخر الذي نسي ساعته، وجارتنا التي ظلت تعاني من العطش المزمن بسبب نسيان الأطباء لإسفنجة كبيرة في معدتها، هنا ضحكت من مبالغاتها، ولكن صغيرتي سمعت تحذيراتها وقررت أن تحتمل الألم؛ خوفاً من أن ينسى الطبيب هاتفه الذكي لأن الهواتف لا تفارق أيدي الناس هذه الأيام، وحتماً الطبيب يمتلك هاتفاً فاخراً لأنه "غير عن الناس"، حسب تعبير الصغيرة!!

 

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...