تشويش إسرائيلي
الكاتب: محمد خالد الأزعر
من أراد الاطلاع على نموذج صارخ لتذاكي الصهاينة والإسرائيليين على العالم أجمع، فليتابع مجادلاتهم حول ما يدعونه بقضية «اللاجئين اليهود العرب». أرضية هذا الجدل وخلفيته محاولة الترويج للمساواة التاريخية والقانونية والسياسية بين «مغادرة» يهود العالم العربي و«هجرتهم» إلى إسرائيل، وبين واقع «اللجوء الفلسطيني» إلى دول الجوار العربي.
إذا شققنا صدور أصحاب هذا الطرح المستفز، وجدناهم يخفون الرغبة في إجراء مقاصة، تذهب وفقها حقوق اللاجئين الفلسطينيين، المادية بخاصة، لقاء ما يزعمونها حقوقاً لـ «اللاجئين» من اليهود العرب، وضمن جديد ما يقال في هذا السياق، أن الفلسطينيين والعرب كانوا أفصح لساناً وأكثر دأباً بحيث ثبتوا رواية اللجوء الفلسطيني في وجدان الخلق أجمعين، قياساً بكسل الإسرائيليين وتفريطهم في جنب قصة «اللجوء اليهودي»!.. ويستدلون على ذلك بصدور أكثر من مئة وسبعين قراراً وتصريحاً دولياً عن الأمم المتحدة حول اللاجئين الفلسطينيين، مقابل لا شيء للجانب اليهودي.
المفترض أن الدراية بمثل هذا الموقف الدولي، كانت وحدها كفيلة بأن يكف هؤلاء عن طرحهم السخيف، لأن المجتمع الدولي لا يمكن أن يخطئ مئة وسبعين مرة. ولكن لأنهم لم يفعلوا، فقد حازت مغالطاتهم على تفنيدات وشروح فلسطينية وعربية إضافية معتبرة.
لا ندري ما الذي أوهم الصهاينة بأنهم يعكفون على قضية رابحة، وأن كل ما ينقصهم هو تحسين عرضها عبر جرعات قوية من الدعاية والإعلام والعلاقات العامة. فالعرب اليهود كانوا، قبل قيام إسرائيل وبعده، مواطنين أقحاح في دولهم العربية الأم؛ التي لم يهاجروا منها تحت ضغط عمليات إبادة جماعية أو تطهير عرقي أو غزوة استيطانية، مثلما كان الأمر مع الفلسطينيين أثناء جولات اغتصاب وطنهم.
ما حدث مع العرب اليهود ينتمي إلى عمليات هجرة مدبرة، تمت على مراحل متفاوتة وتواريخ مختلفة ؛ عن سابق إعداد صهيوني لئيم، وليس تهجيراً قسرياً اضطلع به العرب. والظاهر أننا بحاجة لتذكير الصهاينة المتذاكين بأن معظم البيانات والمعطيات والوثائق، المتعلقة بهجرة كل جماعة يهودية عربية، أمست متاحة ومعلومة للملأ، وكلها تؤكد أن هذه الهجرات جرت بفعل تجهيزات استخبارية صهيونية إسرائيلية أعدت بليل، وكان لكل عملية منها اسم كودي، مثل «بساط الريح» بالنسبة ليهود اليمن، و«وعزرا ونحميا» بالنسبة ليهود العراق، و«سليمان وموسى» بالنسبة لليهود الفلاشا والإثيوبيين.
كان الخط المشترك الواصل بين هذه العمليات كلها، هو بث الرعب في قلوب الشرائح اليهودية وإشعارها بأن ثمة أخطاراً تتربص بوجودها، ما لم تغادر مواطنها الأصلية إلى كيانها وملاذها السياسي إسرائيل. ولأن رعاة القوانين والتنظيمات الدولية على معرفة بحقائق الأمر، فإنهم لم يخصوا «اللاجئين اليهود» داخل إسرائيل وخارجها بشيء يستحق الذكر، ذلك لأن شروط اللجوء ومحدداته لا تنطبق عليهم بالمطلق.
القوانين والتنظيمات الدولية لا تقر التصور الصهيوني، بأن ما جرى في إطار جولات القتال الإسرائيلية العربية هو تبادل سكاني بين عرب ويهود. إن تصوراً كهذا يتنافى وحقيقة أن الذين هجروا قسراً هم عرب فلسطين وحدهم، وهم وحدهم اللاجئين الذين ينطبق عليهم القرارات الدولية ذات الصلة بحقي العودة وتقرير المصير في الجغرافيا الفلسطينية.. فما علاقة هؤلاء باليهود المهاجرين من أقطار أخرى ذات سيادة وان كانت أقطاراً عربية؟
ثم إنه إذا افترضنا جدلاً أن مفهوم اللاجئين يلائم أوضاع المهاجرين اليهود من العالم العربي، فماذا عن اليهود المهاجرين إلى إسرائيل من عوالم أخرى، كأوروبا وروسيا ووسط آسيا وأفريقيا والأميركتين.. هل هم أيضاً لاجئون؟.. وإن كان الأمر كذلك، وهو في الحقيقة ليس كذلك، فأين هو حق العودة الخاص بهم، بل وأين مساعيهم ومساعي إسرائيل لتطبيق هذا الحق عليهم؟
بإثارة الشغب والضوضاء حول بدعة اللاجئين اليهود العرب، يأمل الصهاينة والإسرائيليون في الشوشرة والتشويش على حق العودة الفلسطيني.. والأهم أنهم يسعون إلى التغطية على جريمتهم الأكبر، وهى اغتصاب وطن الفلسطينيين واستيطانه.. هذا وإلا ما معنى اتخاذهم الثلاثين من نوفمبر من كل عام يوماً «للاجئين اليهود»؟.. أليس هذا هو اليوم التالي مباشرة للذكرى السنوية لتقسيم فلسطين عام 1947؛ الذي أعلنته الأمم المتحدة عام 1977 يوماً للتضامن مع الشعب الفلسطيني؟

