هلوسات عن منظمة التحرير الفلسطينية
الكاتب: خالد البطراوي
لم يأت تاريخ منظمة التحرير الفلسطينية على طبق من ذهب بل على دماء لكوكبة من الشهداء الفلسطينيين والعرب. لم يكن عضوية أي من أجهزة واجسام منظمة التحرير الفلسطينية والفصائل المنضوية تحت جناحها يلقي تصفيقا بل اغتيالات وطرود متفجرة وسيارات مفخخة وسجون الاحتلال، والأشقاء العرب والمنافي. لم يكن أي سفير يمثل المنظمة في أي بلد من بلدان العالم ... الا ويحمل روحه على كفه.
لهذا كله ولأشياء كثيرة انتزعت منظمة التحير الفلسطينية اعترافا فلسطينيا ثم عربيا ثم دوليا بوصفها الممثل الشرعي والوحيد للشعب العربي الفلسطيني.
كنا في سبعينات القرن المنصرم نعتقل لمجرد أننا كتبنا شعارا على الجدران باسم منظمة التحرير الفلسطينية، وكان مجرد كتابة م.ت.ف على الجدار أو حتى على ورقة داخل منزلك أو جيبك محظور بموجب الأمر العسكري الاسرائيلي رقم (378) وهو الأمر الشهير المعروف باسم " أمر بشأن تعليمات الأمن"، وكم معتقل اعتقل لستة أشهر لمجرد أنه ضبط متلبسا بالجرم المشهود وهو الهتاف باسم منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي أول انتخابات بلدية بعد الاحتلال عام 1976 وفي تحد صارخ للاحتلال تشكلت كتلة منظمة التحرير الفلسطينية تحت اسم اما الكتلة الوطنية أو الكتلة الوطنية التقدمية، أفرزت بلديات منتخبة سرعان ما تصدى لها الاحتلال بتفجيرات ثلاث استهدفت كل من رئيس بلدية رام الله كريم خلف رحمه الله، وغسان الشكعة أطال الله في عمره رئيس بلدية نابلس وابراهيم سليمان الطويل أطال الله في عمره رئيس بلدية البيرة. وجرى اعتقال أو ابعاد آخرين ومنهم محمد ملحم رئيس بلدية حلحول والشهيد فهد القواسمة رئيس بلدية الخليل.
ممثلي منظمة التحرير في الشتات طالهم الاغتيال من قبل الموساد الاسرائيلي، ففي السادس عشر من تشرين أول عام 1972 تم اغتيال وائل عادل زعيتر ممثل منظمة التحرير الفلسطينية من قبل مسلحين عند مدخل شقته في روما، ثم بعده بحوالي شهرين جرى اغتيال الدكتور محمود همشري وهو ممثل لمنظمة التحرير الفلسطينية في فرنسا.
وفي الرابع والعشرين من كانون ثاني لعام 1973 تم اغتيال حسين البشير في قبرص من خلال زرع قنبلة في غرفته في فندق في نيقوسيا، وفي التاسع من نيسان عام 1973 في العملية التي حملت اسم "فردان" ثم اغتيال كل من محمد يوسف النجار وهو ضابط عمليات في أيلول الأسود وموظف رسمي في منظمة التحرير الفلسطينية. وكمال عدوان عضو لجنة مركزية لحركة فتح مسؤول الارض المحتلة وكمال ناصر المتحدث الرسمي باسم منظمة التحرير الفلسطينية.
وفي الثاني والعشرين من كانون ثاني لعام 1979 تم اغتيال علي حسن سلامة وهو قيادي بارز في منظمة التحرير الفلسطينية ومنظمة أيلول أسود حيث تم قتله عن طريق تفجير سيارة في بيروت. وفي السادس من نيسان عام 1988 تم اغتيال خليل الوزير "أبو جهاد " وهو الشخص الثاني بعد ياسر عرفات حيث تم اغتياله من خلال فرقة كوماندوز إسرائيلية في تونس، وفي الرابع عشر من كانون ثاني لعام 1991 تم اغتيال صلاح خلف وهايل عبد الحميد وأبو محمد العمري في تونس، ثم جرى اغتيال عاطف بسيسو في السادس عشر من كانون ثاني عام 1002 في فرنسا وجميعهم – رحمهم الله – مثلوا منظمة التحرير الفلسطينية.
ما حال منظمة التحرير الفلسطينية اليوم؟
باختصار ... لو تجمعت كافة الفصائل المنضوية تحت جناح منظمة التحرير الفلسطينية في أي كتلة لخوض أية انتخابات محلية بالكاد تستطيع أن تحصل على نسبة 51% أي نسبة الحسم.
هذه المنظمة المعترف بها كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني قد تحصل بشق الأنفس على نسبة الحسم؟
لكن لماذا؟
ببساطة لعدة أسباب. أولى هذه الأسباب حركة فتح نفسها أكبر فصيل داخل المنظمة، الذي يستخدم المنظمة "كمطية" ليس أكثر. فتح التي تريد أن تسيطر على المنظمة والتي لا تريد لأي اطار انتخابي أن يتشكل الا اذا كانت على رئاسته ولا تعترف بالشراكة الحقيقية مع باقي فصائل العمل الوطني المنضوية تحت جناح منظمة التحرير، وفتح التي تعتبر أن أي فصيل فلسطيني ليس تحت جناحها فهو ليس معها بتعبير معتدل وعدوا لها بتعبير أشد وطأة وتوصيفا.
تجربة انتخابات هيئة المكاتب والشركات الهندسية في أكبر نقابة مهنية في فلسطين وهي نقابة المهندسين/ مركز القدس مؤخرا حيث لم تجتز فتح نسبة الحسم بل كانت بعيدة عنها كل البعد، تجربة تقرع جرسا مدويا، فكيف لباقي الفصائل والمهندسين المنتمين لها أن ينتخبوا حركة فتح التي تنصلت من اتفاق يقضي بأن يكون مهندسا ليس فتحاويا رئيسا لهيئة صندوق التكافل بعد أن تم انتخابه وتسميته لتعود وتتراجع فتح عن اتفاقها لتصر على أن يرأس الهيئة مهندسا فتحاويا.
على فتح أن تكرس الشراكة الحقيقية داخل منظمة التحرير الفلسطينية، أولا بتعزيز التبادلية على أسس الكفاءة والمقدرة في كافة المؤسسات التابعة للمنظمة وبضمنها مؤسسات السلطة الوطنية الفلسطينية والمنظمات الشعبية ان كانت تريد لمنظمة التحرير ( وليس فتح فقط) أن تكتسح كافة الانتخابات وتسترجعمكانتها. وعلى فتح أن تنفض عن هيئات منظمة التحرير الفلسطينية غبار سنوات السبات العميق بداءا باللجنة التنفيذية.
ثاني هذه الأسباب فصائل منظمة التحرير الفلسطينية نفسها التي ارتضت لنفسها السبات العميق والترهل والجلوس " تحت بنديرة أو تحت ابط فتح" فرضيت بأن لا تتنافس مثلا مع حركة فتح على المناصب القيادية في الهيئات الادارية للمؤسسات الجماهيرية ومجالس الطلبة، ورضيت بالسكوت خوفا من وقف المخصص الشهري لكل فصيل الذي بدوره قد تقلص دون اعتراض حتى الفصائل التي بات همها أن تحصل على هذا المخصص لتصرفه على بعض كوادرها من الخاملين المترهلين الموظفين في الفصيل الذي لو تركوه فلن يجدوا عملا حيث أن مؤهلاتهم وقدراتهم لا تحاكي متطلبات الوظائف الحالية.
هي رسالة واضحة، اذا كنا نريد أن نستنهض ونسترجع مكانة منظمة التحرير الفلسطينية فعلينا باجراء مراجعة شاملة لاستخلاص العبر والنتائج وعلينا أن نتجه نحو الشراكة الحقيقية ونقوم باحياء كافة أجسام المنظمة على أسس من الشراكة الحقيقية والتبادلية والمهنية.

