عاطلون من العمل مقابل الجامعات
الكاتب: مصطفى زين
يطرح الإرهاب الذي يطاول المدن الأوروبية الكثير من الأسئلة عن العلاقات الثقافية والحضارية بين القارة القديمة والعالم العربي. من هذه الأسئلة ما يتعلق بالحروب المستمرة منذ قرون، خصوصاً الحروب الصليبية وما تبعها من سيطرة على معظم هذه المنطقة، ومنها ما يتعلق بالتأثير الثقافي المباشر عبر الإرساليات والمدارس، وأيديولوجيات الأحزاب القومية والماركسية.
لم تشهد العلاقات بين أوروبا والعالم العربي سوى انفراجات قليلة. بعضها كان في ظل الاستعمار المباشر. وبعضها أقيم مع دول ضد أخرى لضرورات الحروب وحماية المصالح. ورافق الجيوش، وسبقها أحياناً كثيرة، علماء وخبراء ومثقفون وإعلاميون (حملة نابوليون على مصر مثالاً تاريخياً). ولم يختلف هذا الأمر بعدما ورثت أميركا الأوروبيين في استعمارهم، وتحالفت معهم.
واشنطن أيضاً أعلنت عداءها للعرب وتساءلت: «لماذا يكرهوننا؟»، شنت حروبها، على أسس علمية عسكرياً، وأسست مراكز أبحاث سياسية. وشكلت بعض جامعاتها جبهة خلفية تزود السياسيين نظريات أقل ما يقال فيها إنها عنصرية، في وقت أشاع معظم إعلامييها ومثقفيها، وبعضهم من أصول عربية، موجة من الدعاوة لـ «كسب العقول والقلوب» على ما أشاع المحيطون ببوش الابن، خلال غزوه العراق. ولا حاجة إلى القول إن أميركا ربحت كل الحروب، عكس ما يشيع المهزومون، والدليل دمار البنى التحتية، وتفكيك المجتمعات، وإعادة بلد مثل العراق إلى ما قبل عصر الدولة، تحت شعار الحرية والديموقراطية.
رداً على الحملات العسكرية والاحتلال والاستعمار نشأت مقاومات عربية وإسلامية مختلفة، معظمها كان وما زال مجرد «هبة» يضطلع بها أفراد، أو جماعات متفرقة، يسهل القضاء عليها. لم تنظم مقاومة على أسس وطنية جامعة، عدا ما حصل في الجزائر أيام المد القومي العروبي في ستينات القرن الماضي. في تلك المرحلة وما قبلها وبعدها وضعت مجلدات عن الغزو الثقافي والتصدي له. مجلدات شارك في وضعها مثقفون من خريجي الجامعات والإرساليات الأوروبية والأميركية، وماركسيون عرّبوا ماركس وجعلوه واحداً من أفراد القبيلة الساعية إلى المحافظة على تراثها وعاداتها «الثابتة»، الجيد منها والسيئ، المتخلف والمهترئ (عدا بعض ما كتبه إدوارد سعيد وهومي بابا، وقبلهما فرانس فانون في ما بعد الكولونيالية).
في معنى آخر، مقابل الإرساليات والجامعات والمدارس التي خرّجت طبقة من السياسيين والمثقفين العرب والمسلمين أنتجنا فكراً هجيناً ادعينا أنه أصيل ومقاوم. وبقيت مجتمعاتنا غارقة في الجهل تصدر إلى الغرب عاطلين من العمل وباحثين عن الحرية، لا مؤسسات ترعاهم ولا حكومات تتابع أوضاعهم، لا في الوطن ولا خارجه. صدّرنا جيشاً من الأميين المتمسكين بتقاليدهم. أصيبوا بصدمة حضارية. بلدانهم الأصلية تغرق في الفوضى، والجيوش الأجنبية تغزوها من كل الاتجاهات، وهم أسرى أوهامهم الماضوية، فوقعوا في يد حفنة من المهزومين الداعين للعودة إلى أمجاد الماضي. أي أنهم شكلوا بيئة خصبة لدعاة غزو الغرب وهزيمته في عقر داره، مرة بالهجوم على مراكز التسوق، ومرة بقتل رواد مسرح، وأخرى بدهس مارة أو تفجير حافلة متسوقين، رافعين شعارات «العزة والشموخ».
أما في أوروبا، فتصر الحكومات على معالجة مسألة الإرهاب أمنياً من دون البحث في جذور المشكلة، أي ما زالت القارة القديمة تعتمد تراثها الاستعماري القائم على الغزو والقمع والقوة العسكرية، ما يعزز وضع الأحزاب العنصرية واليمينية المتطرفة، علماً أن لا فرق بينها وبين الأحزاب اليسارية التي تحكم بعض البلدان بالنسبة إلى سياساتها في الشرق الأوسط.
مقابل الجامعات والمدارس التي يصدّرها الغرب إلينا، نصدّر الأميين والعاطلين من العمل... والإرهاب.

