الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:06 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:16 PM
المغرب 7:37 PM
العشاء 9:05 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

الرائي

الكاتب: مصطفى زين

هو الخوف يستخدمه السياسيون في الغرب، وفي الشرق، لتثبيت حكمهم. كان «العالم الحر»، بما له من تحالفات مع الديكتاتوريات، يخيف شعوبه من الاتحاد السوفياتي، ومن الفكر الشيوعي، ووصل الأمر ببعضه إلى نشر الرعب من أي فكر تقدمي. على أساس الخوف بنيت أحلاف عسكرية. على أنقاض المدن وأشلاء عشرات الملايين تأسس حلفا «وارسو» و «الأطلسي»، بعد الحرب العالمية الثانية. حلفان استهلكا ثروات شعوب. غرسا الرعب النووي في كل بقعة من العالم. أسسا إمبراطوريات إعلامية تولت نشر أيديولوجيات حولت المثقفين وأساتذة الجامعات إلى موظفين لديها. والكتّاب إلى مجرد دعاة ينشرون الجهل ليزيد الخوف فـ «المعرفة قوة»، ولكن عن اي معرفة نتحدث. عن معرفة الذات أم المؤسسات التي لا هم لها سوى التجارة والربح، وعزل الناس عن إنتاجهم، على ما قال الكاتب البريطاني جون بيرجر الذي رحل عن تسعين عاماً قبل أيام.

نحن لا نعي هذا الواقع المخيف. أصبحنا، من دون أن ندري، جزءاً ضئيلاً من هذه الآلة الضخمة. آلة تحول دون التفكير خارج الأطر الجاهزة المدافعة عن الحروب وإبادة الشعوب باسم الحرية.

لم يكن جون بيرجر الكاتب الوحيد الذي وعى هذا الواقع، خصوصاً بعد الحرب العالمية الثانية. هناك فلاسفة الوجودية، من هايدغر إلى سارتر، وهناك كتّاب مسرح العبث، من أرتو إلى بيكيت.

لكنه كان الوحيد الذي اختار أن يحيا خارج القفص، جسدياً وفكرياً. انتقل من لندن إلى قرية في جبال الألب ليعيش مع الفلاحين. لم ينسحب من المتروبول إلى ذلك المكان النائي ليتنسك أو يطلب الخلاص لنفسه، بل ازداد حماسة في صراعه مع الليبيرالية المتوحشة في حين غرق كثيرون من مفكري جيله، وما بعده، في حمى الاستهلاك الرأسمالي وتحولوا من اليسار إلى اليمين المتطرف. نظّروا لحرب جورج بوش على العراق ووقف هو ضده. انتقلوا من معاداة إسرائيل إلى تأييد عنصريتها وحروبها فقاد، مع آخرين، حملة مقاطعة الدولة العبرية ونجح. حمّلوا الضحية (الفلسطينيين) انحدار أخلاق الجلاد فحاكم الجلاد أخلاقياً. ذهبوا يستجمون في تل أبيب فانتقل إلى الضفة الغربية ليرسم مع أطفالها. وتضامن مع غزة ومع لبنان.

لم تكن هذه المواقف الإنسانية وحدها ما وضع جون بيرجر في عين العاصفة في لندن وبقية العواصم الأوروبية، بل رافقتها كتاباته عن الفنون منذ عصر النهضة إلى اليوم. أعاد النظر في نقد الفنون التشكيلية، متتبعاً مسارها من الرسوم على جدران الكهوف، مروراً بعصر النهضة إلى التكعيبية والتجريد. انتقد بحدة تجار اللوحات ونقادها الذين يفرضون عليك كيفية مشاهدتها، متجاهلين أن كل إنسان يراها بعين مختلفة، فمشاهدة اللوحة لا تكون بالعين فحسب، بل تشترك الذاكرة والخلفية الثقافية في فعل المشاهدة. في كتابه «حول النظر» (1980)، عمّق رؤيته إلى الفنون في ضوء الصورة الفوتوغرافية وما أحدثته من نزع القداسة عن اللوحة. هذه القداسة التي يروجها التجار والنقاد في سوق لا تتوانى عن استخدام صور اغتيال غيفارا.

ثقافة السوق هذه تفرض علينا نمطاً من الاستهلاك المادي والثقافي، وتقفل القفص المحبوسين فيه، محاطين بأنظمة سياسية واقتصادية وقانونية، تماماً مثل الحيوانات الأليفة المحبوسة في البيوت، أو البرية المحبوسة في حدائق الحيوان. الفرق الوحيد أننا نملك حرية الانعتاق بالقوة العقلية، بينما الحيوانات لا تملك سوى عضلاتها المعطلة.

اختار «الرائي» جون بيرجر الخروج من قفص الاستهلاك الأيديولوجي، على رغم ماركسيته، فعاش حراً وأغنى المكتبة بإبداعات في النقد والرواية والفلسفة والمقالة. وترك إرثاً في المواقف السياسية والإنسانية عنوانه فلسطين.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...