المضبوع عندما يتبع ضابعه!
الكاتب: ابراهيم ملحم
ليس ثمّة ما هو أسوأ من أن يتبع المضبوع ضابعه، الى حيث يريد للاجهاز عليه في وكره، الذي أعده خصيصا لفريسته، التي وجدت نفسها، منقادة خلفه، مسلوبة الارادة، ومعصوبة العينين، ومرتجفة الفكين، ومخفورة اليدين والرجلين ليفتك بها حتى العظم .. وعلى مهل.
يكاد حالنا اليوم، وتحديداً خلال اليومين اللذين اعقبا لقاء نتنياهو - ترامب، أن يشبه انضباع المضبوع بضابعه، فما أن أعلن نتنياهو ومضيفه أن حل الدولتين قد انتهى حتى سارعنا لاقامة سرادقات العزاء على صفحات الرأي، ومانشيتات الصحف، وشاشات الفضائيات، وعلى منصات العالم الافتراضي، وبدأنا بذرف الدموع وتقبل العزاء بالفقد الجلل، وكأن خيار الدولة الفلسطينية الذي اعترف به الرؤساء الامريكيون المتعاقبون وحلفاؤهم الاسرائيليون حتى فترة ما قبل عهد ترامب - نتنياهو، لم يكن سوى منّة منهم وصحوة لضمائرهم المتستّرة على كل الجرائم ، متناسين تحت تأثير الانضباع، بأن ما حصلنا عليه لم يكن سوى حصاد نضال طويل ومرير قدمت خلاله قوافل الشهداء، والاف المصابين والاسرى حتى وجدت اسرائيل نفسها ومعها حلفاؤها الاستراتيجيون أمام خيارات صعبة، إن هم لم يعترفوا بهذا الخيار المر.
عبر اتفاق اوسلو الذي جاء بعد انتفاضة استمرت لثماني سنوات، مارست خلالها سلطات الاحتلال كل أشكال القمع والقهر والسجن والسحل حتى تكسير العظام، متضرعة الى الله بأن يبتلع البحر القطاع لما يسببه من صداع؛ هذا الاتفاق على هشاشته، والتباس بنوده، كان الممر الاجباري، والخيار المر للمحتل، للتخلص من صداع الانتفاضة الشعبية السلمية عام سبعة وثمانين من القرن الماضي، والتي تصاعدت في كل بيت، وحارة، وشارع، على نحو جعل حياة المحتلين لا تطاق.
فخيار اقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس على أي شبر يجري تحريره توافقت عليه كل ألوان الطيف الوطني وفق ما نصت عليه أدبيات النضال منذ انطلاق الرصاصة الاولى في ستينيات القرن الماضي، فكيف إذا استحال هذا الشبر أرضا بحجم الضفة والقطاع واعدة بالبشر، والشجر، والحجر، تديره قيادة منتخبة شعبيا،"لك أن تتفق أو تختلف معها" ولها مؤسسات وممثلون، وبعثات دبلوماسية، وسفارات ترفرف فوقها الاعلام في أربع ارجاء الارض، وتستقبل على أرضها سفراء، وممثلين يتعاملون معها بالمثل بصفتها القانونية التي انتزعتها من أرفع هيئة دولية.
وعندما يعلن نتنياهو اليوم انسحابه من هذا الحل تحت غطاء كثيف من الرماية والاسناد من قبل حليفه الاستراتيجي الساكن الجديد في البيت الابيض، فإن هذا الانسحاب لم يكن الا بسبب التراجع الفادح في كل تلك العوامل التي دفعت اسرائيل للقبول مجبرة بخيار الدولة الفلسطينية المستقلة، وذهاب كل أعراض الصداع التي عانى منها قادة اسرائيل لعقود ماضية، وسط حالة من السيولة الزائدة في الحالتين العربية والفلسطينية لم يكن نتنياهو يتوقعها في احسن أحلامه، والتي بلغت درجة يقف فيها مستوطن وسط مدينة الخليل يغني على وقع اغنية "وين الملايين""وين العرب عن الفلسطينيين ليش تركوهم للاسرائيليين"، مضافا اليها حالة الاسترخاء التنظيمي، وغياب الفعل الشعبي، واستمرار الانقسام الجغرافي، وتصاعد الدعوات بحل السلطة وتسليم المفاتيح كلما ضاقت علينا الدروب أو أقفلت في وجوهنا الابواب، كل تلك العوامل فتحت شهية اليمين المتطرف بإنهاء حلم الدولتين، وهي ذات العوامل التي فتحت شهية الرئيس الاسرائيلي "رؤوفين ريفلين" بإطلاق دعوته إلى ضم الضفة الغربية لاسرائيل، وهو الذي سبق وأن تمايز برؤيته وبرنامجه السياسي عن سياسات نتنياهو.
أولى الخطوات لمواجهة الضبع هي التحلي برباطة الجأش، وعدم الشعور بالخوف، فالضبع لا يستطيع اقتياد فريسته، إن هي لم تستسلم له وقاومته بابداء الشجاعة والثقة، وعدم الخوف في مواجهته، وبالتالي عدم الانقياد خلفه ليفتك بها في وكره، فحسب خبير في علم الحيوان "فإن هناك غدة مسؤولة عن الشعور بالخوف عند البشر، تفرز مادةً معينةً لدى الاحساس بالخوف، فيلتقط الضبع عن طريق شواربه رائحة إفراز تلك المادة، ليعرف أن الشخص الذي يقف أمامه ضعيف، ليبدأ بعدها بالهجوم والانقضاض عليه، بعد أن تظهر عليه أعراض صحية معينة تجعله يفقد السيطرة على نفسه ويتبع الضبع إلى وكره ".
بقي ترامب بتغريداته، وشطحاته، وانحيازاته، وخفة قراراته، أم غادر قبل انتهاء ولايته تحت وقع المظاهرات المتصاعدة ضد سياساته؛ بقي نتنياهو أم أطيح به تحت وقع الفضائح التي تحاصره حتى في غرفة نومه؛ فإن الاحتلال طارئ، والطارئ لا محالة زائل، طال الزمن أم قصر، ذلك أنه لو كان خيار الاستقلال بيد الطليان لما ألهم عمر المختار الليبيين بمواصلة المقاومة حتى تم دحر المستعمرين واعلان الاستقلال، ولو كانت خيار الدولتين بيد الفرنسيين، لما عقد الجزائرون العزم بأن تحيا الجزائر. فما أسقط في لقاء نتنياهو- ترامب، هو وهم البلطجة والسيطرة بقوة الغطرسة، لا حق الفلسطينيين ويقينهم باقامة الدولة.

