الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:12 AM
الظهر 12:36 PM
العصر 4:15 PM
المغرب 7:33 PM
العشاء 8:58 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

شكرا لامين يامال

الكاتب: رامي مهداوي

في قلب برشلونة المحتفية، وسط زحام الألوان والأهازيج وصرخات الفرح التي ملأت السماء، بزغ مشهدٌ تجاوز في دلالته كل ما قيل عن الدوري الإسباني وعن الكلاسيكو وعن الألقاب. شاب لم يتجاوز العقد الثاني من عمره، يمتطي الحافلة المكشوفة رفقة أبطاله، يمدّ يده إلى الجماهير لا بكأسٍ ولا بقميصٍ، بل برايةٍ خضراء بيضاء سوداء حمراء — علم فلسطين — يلوّح به بكلّ ثقة وكأنه يقول: هذا اللقب ليس لي وحدي.

لامين يامال، ابن السابعة عشرة والنجم الذي بات يُضيء سماء كرة القدم الأوروبية، ليس فلسطينيًّا. أبوه من المغرب وأمه من غينيا الاستوائية، ونشأ في أحياء برشلونة. لكن التضامن لا يشترط الجنسية، ولا يحتاج إلى وثيقة ميلاد. يامال فعل ما يفعله الضمير الحي حين يعلو الفرح: يتذكّر من لا يفرحون. 

ما يمنح هذه اللحظة ثقلها الحقيقي هو السياق الذي ولدت فيه. في أرجاء المعمورة، من ملاعب أوروبا إلى صالات قرارات الأمم، يجري التضييق على كل من يجاهر بتضامنه مع فلسطين. لاعبون أوقفوا، مدرجات مُنع فيها الكوفية، ألوان أُزيلت، وأعلام صودرت عند بوابات الملاعب. صار رفع علم فلسطين في بعض السياقات ضربًا من المغامرة، إن لم يكن ثمنًا باهظًا يدفعه أصحابه. وفي هذا الفضاء المحاصَر، ارتفع العلم في أبهى استعراض رياضي في إسبانيا، على يد أكثر لاعبيها سطوعًا. هذا لم يكن صدفةً، كان اختيارًا.

والاختيار في أوقات الضغط هو ما يصنع الفوارق بين الرموز. كثيرٌ من النجوم يتحاشون المواقف السياسية درءًا للجدل وحفاظًا على عقود الرعاية ومسار المسيرة، وهذا حقّهم. لكن حين يقرر شابٌ في عزّ تألّقه أن يستحضر معاناة شعبٍ في لحظة فرحه الخاص، فذاك فعلٌ من طبيعة أخرى. إنه يقول للعالم: لا تطلبوا مني أن أنسى بينما أنا أحتفل.

رفع العلم الفلسطيني لا يطفئ القنبلة، ولا يعيد البيت المهدوم، ولا يُعيد الطفل إلى أمه. لكنه يؤدّي وظيفةً أخرى لا تقلّ أهميةً: يؤكّد أن فلسطين حاضرةٌ في وجدان البشر، وأن محاولات طيّها خلف الجدران الإعلامية والقانونية والرياضية لا تنجح دائمًا. في عصر تتلاعب فيه الخوارزميات بما يُرى وما يُخفى، صعد يامال إلى مكانٍ لا تستطيع الخوارزمية أن تحجبه: ذروة الاحتفال الجماهيري المباشر، وأمام الملايين على شاشات العالم.

ثمة من سيقول إن الرياضة يجب أن تبقى بعيدةً عن السياسة. لكن التاريخ يعلّمنا أن هذه المقولة انتقائية دائمًا. حين يرفع لاعبٌ علم بلاده المنتصرة يُصفَّق له، وحين يرفع علم شعبٍ محاصَرٍ يُحاكَم. الفارق ليس في الرياضة، بل في السلطة التي تقرر أيّ الأعلام "مقبولة" وأيّها "سياسية".

لامين يامال أثبت في هذه اللحظة أن البطولة الحقيقية لا تُقاس بعدد الأهداف وحده. شكرًا له لأنه رفع العلم بينما كان يمكنه الاكتفاء بالكأس. شكرًا له لأنه في أوج احتفاله تذكّر من لا يحتفلون. وشكرًا له لأن الضمير — رغم كل شيء — لا يزال يسكن قلوب الشباب.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...