نبض الحياة: دورة زمن النكبة وتجلياتها
الكاتب: عمر حلمي الغول
مازالت دورة زمن النكبة الفلسطينية تمخر عباب الزمن عاما تلو الآخر، في عملية تراكمية وكيفية تثقل أعباء وأثقال ومصائب الشعب العربي الفلسطيني، حتى باتت تهدد وجوده الوطني، وتعصف بمصيره ومستقبله السياسي والقانوني والاجتماعي، مع صعود المشروع الاستعماري الصهيوني الى الذروة، المدعوم كليا من الدول الامبريالية وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، في ظل ضعف وتآكل العامل الذاتي الوطني نتاج الأزمات البنوية، واستشراء الوهن الناجم عن المراوحة المرتدة للوراء، وغياب وتشظي البعد القومي. رغم توسع وتعمق دعم الرأي العام العالمي للقضية والشعب الفلسطيني وأهدافه السياسية والقانونية، في معادلة إشكالية شديدة التعقيد.
تؤكد التجربة الفلسطينية والعربية على مدار عقود الصراع الطويلة، التي تقترب من إكمال ثمانية عقود، كلما تقدم الفلسطينيون والعرب خطوة نحو جادة السلام، وقدموا تنازل تلو التنازل، كلما زادت وحشية وغطرسة دولة الإبادة الصهيونية، وتراجعت وانكفأت الدولة الإسرائيلية اللقيطة والطارئة خطوات عن خيار التسوية السياسية، وأوغلت في تيهها وانفلاتها من عقال كل قانون وضعي وخاصة قوانين ومعاهدات وقرارات الشرعية الدولية. لإدراكها انتفاء أية مساءلة سياسية أو دبلوماسية أو قانونية، بفضل الفيتو الأميركي، والدعم اللا مشروط من قبلها، ومن خلفها اباطرة رأس المال المالي وكارتلات السلاح والتكنولوجيا بمشتقاتها العالمية كافة والحكومة العالمية.
هذا الدرس الأهم والأخطر على القضية والشعب والمشروع الوطني، لم يتم استخلاصه والاستفادة منه، عبر استلهام واستنباط مخرجات سياسية مؤهلة لمواجهته، من خلال الإمساك بالحلقات المركزية في محطات الصراع كافة، على مدار ال78 عاما الماضية من النكبة الأولى. مع أن قيادة الثورة نجحت في وضع اليد على أكثر من حلقة خلال سيرورة الثورة، منها: إطلاق شرارة الثورة الفلسطينية المعاصرة مطلع عام 1965، وهي الحلقة الأهم في تاريخ النضال المعاصر، وتجلت أهميتها الأساسية في تكريس منظمة التحرير الفلسطينية كممثل شرعي ووحيد للشعب الفلسطيني، ورغم بؤس ولعنة اتفاقيات أوسلو، الا أن قيادة المنظمة تمكنت بفضل الدعم العالمي من تجاوز غموض ومتاهة تلك الاتفاقية البائسة، بالحصول على القرار الاممي 19/67 في 29 تشرين ثاني / نوفمبر 2012، الذي رفع مكانة الدولة الفلسطينية في هيئة الأمم المتحدة الى دولة مراقب. غير أن هذه النجاحات على أهميتها، اصطدمت بافتقاد القيادة القدرة على الإمساك بالعديد من الحلقات الهامة، وخاصة ما يتعلق بملف انقلاب حركة حماس على الشرعية الوطنية، وعدم تصفيته في المهد، نتاج الارباك والشلل في كيفية وأده، وكذلك عدم التمكن من إدارة الصراع مع دولة اسبارطة الإسرائيلية، كما يجب وتملي الضرورة، والانحناء أكثر من انحناءات مرور العواصف السياسية، مما ضاعف من عمليات الاستيطان الاستعماري والتهويد والمصادرة واستباحة الحقوق الوطنية كافة، وصولا للإبادة الجماعية الإسرائيلية الأميركية على مدار الشهور الماضية ما بعد 7 تشرين اول / أكتوبر 2023، التي ما زالت تعصف بوجود الشعب الفلسطيني في عموم الوطن – من العاصمة القدس مرورا بكل محافظات الضفة الغربية وصولا الى قطاع غزة.
مؤكد أن موازين القوى تميل بشكل هائل لصالح إسرائيل النازية، لأنها محمية من الغرب عموما والولايات المتحدة خصوصا، في ظل غياب حليف دولي قوي، حيث لا يكفي الاعتماد على التحول النوعي الاستراتيجي في الرأي العام العالمي على أهميته وضرورته، لأن المعادلات السياسية والدبلوماسية والقانونية تفرضها القوة الدولية بالتلازم مع وجود قوة عربية مؤهلة وقادرة على تشكيل رديف للقوة الدولية، وعلى أهمية الخطوة السعودية المشتركة مع فرنسا في تشكيل مؤتمر دعم خيار حل الدولتين على حدود الرابع من حزيران / يونيو 1967 ومخرجاته 2025، الا أن خطة الرئيس دونالد ترمب - ال 20 نقطة لوقف الحرب -، وقرار مجلس الأمن 2803 في نوفمبر 2025، القت ظلالا كثيفة عليه، وحرفت بوصلة الجهود العالمية لتكريس وتعزيز خيار حل الدولتين، وأعادت القضية للخلف خطوات كبيرة، وتركت الشعب أسير العربدة العدوانية الإسرائيلية النازية التي لم تلتزم بتطبيق النقطة الأولى من الخطة المثلومة، وحتى الان لم تلج القوات الدولية للفصل بين الأطراف، ولم تتمكن اللجنة الإدارية الفلسطينية من تولي مهامها، ولم يتم الربط الديالكتيكي بين جناحي الوطن بقيادة م. ت .ف، فضلا عن تعمد مواصلة التسويف والمماطلة بذرائع واهية وبعيدة عن الواقع.
آن الأوان عشية عقد حركة فتح مؤتمرها الثامن بعد غد الخميس 14 أيار / مايو الحالي، ان تقف الحركة الوطنية بفصائلها كافة لإجراء مراجعة شاملة للتجربة الوطنية بهدف استنهاض الذات، والخروج من نفق المرحلة المظلمة الى النور، ومكاشفة الذات، ووضع الأصابع على الجروح والخطايا، وإعادة الاعتبار لمنظمة التحرير والمشروع الوطني، وقهر موازين القوى المختلة لصالح العدو الإسرائيلي بأدوات فعل نوعية بالاستناد الى برنامج وطني جامع.

