إسرائيل تجمّل الاحتلال... بالشِعر
الكاتب: فراس حج محمد
أعلن بنك إسرائيل أنه بصدد إصدار أوراق نقدية جديدة تحمل صور شاعرتين بارزتين، هما راحيل بلوفشتاين وليئا غولدبرغ، فهل كانت إسرائيل على علم بـــهذه القـــضية الـــنقدية الــشائكة في ما يتصل بشعر الشاعرات؟ وهل أرادت أن تقول أنها سبقت العرب كذلك بوجود شاعرات كبيرات؟ وهل لاحظت أنه لا يوجد شاعرات عربيات كبيرات بحجم شعراء عرب كبار، مثل امرئ القيس والمتنبي وأبي تمام والبحتري قديماً، ومحمود درويش وأدونيس والجواهري حديثاً؟ كيف فطن هذا الكيان اللاجمالي لما هو جمالي واختار صوراً لشاعرات وليس لشعراء، علماً أنه سبق لبنك إسرائيل أن اعتمد صورة الشاعر العبري شاؤول تشرنحوفسكي في إصدار نقدي سابق؟
دولة الاحتلال تفطن للشاعرات، وتمنحهن اهتماماً ذا دلالة كبرى، ونحن نلاحق شاعراتنا بالإشاعات ونسج القصص، ولا نفكر فيهن إلا على أسرّة الشهوة والخيانة. هل كانت شاعرات إسرائيل بهذا الحجم ليستحققن التمجيد من دولة لا شاعرية؟
هذه الدولة التي لا أحب الكتابة عنها، ولم يسبق لي أن ذكرتها في قصائدي السياسية، باستثناء قصيدة واحدة في عنوان «عاهرة النسب»، ومنشورة في ديواني «مزاج غزة العاصف»، تهتم مؤسساتها الأكاديمية بما ينشره الفلسطينيون والعرب. وقد أخبرني صديق أن كتبي الصادرة في فلسطين موجودة في مكتبة الجامعة العبرية، وأنه قرأ تلك الكتب في مكتبتها. وبالتأكيد ليس كتبي فقط، فقد أكد لي هذا الصديق أن الجامعة تحرص على اقتناء كل المطبوعات الصادرة في فلسطين.
ولا تكتفي تلك المؤسسات، بطبيعة الحال، باقتناء تلك الكتب، بل إنها تحيلها إلى لجان مختصّة لقراءتها، ومتابعة المزاج الأدبي العام للكتّاب لمحاولة قراءة ما يحدث من تغيير في التوجه الأدبي الذي يعني تغيّراً في المواقف السياسية تجاه هذا الكيان. ولعلهم يلاحظون خفوت نبرة الأدب المقاوم، ولعلهم سعيدون بذلك، وصولاً إلى التطبيع وقبول هذا الكيان والتعايش معه!
ما زلت أذكر ذلك التقرير الذي أعدته بعض الجهات «الثقافية - الأمنية» الاحتلالية حول مجلتي «الزيزفونة» (مجلة للأطفال وأخرى لليافعين)، واتهمت فيه المجلتين والقائمين عليهما بتوجهات إرهابية عدائية بما تلتزمان فيه من تغذية عقول الناشئة من الأطفال بالتاريخ الفلسطيني من خلال ما تنشرانه على صفحاتهما عن المدن والبلدات الفلسطينية والأدباء الفلسطينيين في الداخل المحتل، وما تنشره كذلك من نصوص تحمل النفَس المقاوم.
ولم يقف الأمر عند مجلتي «الزيزفونة»، بل إن السلطات الإسرائيلية ما زالت تنبش في المقررات الفلسطينية، وتضخم بعض القضايا الواردة فيها، متهمة السلطة الفلسطينية بأنها ما زالت ذات توجهات إرهابية وعدائية حيال إسرائيل، تلك الدولة المحبة للسلام، والساعية له بكل ما أوتيت من استيطان وتنكيل وقتل وإبعاد واعتقال!
إسرائيل تهتم بالشعر، وتحاول أن تجمّل صورة عملتها بجمال دعائي، فهل أكون في شطط كبير عندما أدّعي أنها تريد أن تعلّمنا درساً نقديّاً، كما تهتم بتعلمينا دروساً في «الديموقراطية» و«السلام» و«ثقافة التعايش».
ربما، وربما أنها تفعل ذلك بفعل نظرة حيادية ترى أنه من حق الشاعرات أن يظهرن على عملتها، لا سيما أن هاتين الشاعرتين المختارتين تعكسان توجه الحركة الصهيونية، فـراحيل بلوفشتاين من أصل روسي، وانتمت إلى المجتمع الزراعي «الكيبوتس» في بداية توجهات الحركة الصهيونية للسيطرة على فلسطين، فهي من الجيل الذي يطلق عليه في إسرائيل الجيل المؤسس.
أما الشاعرة الثانية ليئا غولدبرغ فتعود إلى أصول ألمانية، وكانت ذات توجهات أكاديمية وإبداعية، وأسست قسم الأدب المقارن في الجامعة العبرية عام 1970، وكان أبوها من ضحايا الهولوكست في ألمانيا.
فهل كانت إسرائيل تجمّل عوراتها بصورة هاتين الشاعرتين؟ أم إنها كانت تؤكد توجهاتها العنصرية والأسس الدعائية التي قامت عليها؟ فـالكيبوتس والهولوكست هما من أهم الركائز التي قامت عليها هذه الدولة الضالة. إضافة إلى أنها اختارت من شعر راحيل مقطعاً من قصيدة «طبريا».
وأما الصورة الخلفية للعملة الثانية فهي مستوحاة من قصيدة لليئا في عنوان «أنا أحبّ أزهار اللوز في إسرائيل»، ليتكامل التعبير الاحتلالي في احتلال الطبيعة الفلسطينية وفرض الرموز التي تعتبر ذات قيمة مهمة في هذا المشروع الاستيطاني الكبير المسمّى إسرائيل.

