حكم قاتل الشريف الصوري والعنصرية الاسرائيلية
الكاتب: محمد أبو لبدة
العنصرية الاسرائيلية ليست وليدة اليوم او منذ احتلال اسرائيل لبقية الاراضي الفلسطينية عام ١٩٦٧م، بل هي منذ ان بدأت الحركة الصهيونية ممثلة بهيرتسل في التفكير بإقامة ما يسمى وطن قومي لليهود سواء اكانت هذه الدولة ستقام في فلسطين حيث استقر رأي هذه الحركة في النهاية على ان تكون الاراضي الفلسطينية هي الدولة التي سيقام عليها هذا «الوطن القومي» او غيرها من الاراضي.
فإقامة اي «وطن» لليهود على اي ارض يعني اقامته على حساب شعب آخر، سيتم تهجيره وتشريده وقتل ما يمكن قتله من هذا الشعب وهذه هي العنصرية بحد ذاتها، فتفضيل شعب على شعب آخر واتباع كافة السبل غير الشرعية وقتل الكثير من ابنائه وسلب اراضيهم وديارهم هي عنصرية، بل ابشع انواع العنصرية التي عرفها التاريخ البشري.
وهذا ما حصل مع شعبنا على يد الحركة الصهيونية وأذرعها العسكرية الممثلة في البداية بالعصابات الصهيونية وبعد اقامة دولة اسرائيل على انقاض شعبنا على يد الجيش الاسرائيلي وعصابات مستوطنيه.
ودولة عنصرية قامت على انقاض شعبنا وقتلت منه ما قتلت وشردت وسلبت ارضه ومنازله وكافة ممتلكاته وأتت باليهود من شتى بقاع العالم وأحلتهم مكانه بدعم من الدول الاستعمارية في ذلك الوقت وفي مقدمتها بريطانيا لا يمكن ان يكون قضاؤها عادلا بل منحازا وعنصريا ويتبع سلطة الاحتلال الغاشم، فما بني على باطل فهو باطل سواء دعمه العالم بأسره او لم يدعمه فهو باطل من اساسه، والباطل لا يمكن ان يدوم الى أبد الآبدين.
وهذه هي اسرائيل دولة الاحتلال، اقيمت على انقاض شعبنا ومارست بحقه كل الممارسات العنصرية والمناهضة لكل ما هو انساني ووفقا لأحد الفلاسفة فإن شعبا يحتل شعبا آخر لا يمكن ان يكون حرا.
ومن هنا فليس من المستغرب ان يتم الحكم على الجندي الاسرائيلي اليئور أزاريا قاتل الشهيد عبد الفتاح الشريف بدم بارد وهو مشلول الحركة ولا يشكل اي خطر لا على هذا الجندي ولا على اي جندي احتلالي آخر، ان يتم الحكم عليه بالسجن ١٨ شهرا فقط رغم انه وفق القانون الاسرائيلي فإن عقوبة القتل العمد هي المؤبد وعقوبة القتل غير العمد التي وجهتها له المحكمة زورا وبهتانا هي ٢٠ عاما في حدها الاقصى وعدة سنوات في حدها الادنى.
ومن خلال ذلك نستنتج ما يلي:
* على صعيد القضاء الاسرائيلي:
١- قضاء عنصري، فمجرد ان وجه للجندي أزاريا تهمة القتل غير العمد، فهو عنصري، فما تم توثيقه من قبل احد الصحفيين المحليين في مدينة الخليل فإن هذا الجندي قام بقتل الشريف عن سابق اصرار وتعمد، فتحويل التهمة من القتل العمد الى غير العمد يبين الانحياز الكامل لصالح هذا القاتل.
٢- النيابة العسكرية الاسرائيلية طالبت بالحكم على الجندي القاتل بالسجن ما بين ٣ - ٥ سنوات، ورغم ان هذه المدة غير كافية حسب كل الاعراف والقوانين الدولية وحتى حسب القانون الاسرائيلي الا ان انحياز المحكمة لصالح القاتل كان واضحا من خلال هذا الحكم المخفف جدا والذي لا يمكن ان يردع اي جندي آخر، وهذا احد اشكال العنصرية التي تتمتع بها المحاكم العسكرية الاسرائيلية وغيرها من المحاكم الاخرى.
٣- قبل صدور الحكم تحدثت هيئة القضاء الصورية عن الجريمة وأدانت القاتل على ارتكابها وكان من المتوقع في ضوء هذه الادانة ان يأتي الحكم على القاتل لعدة سنوات على الاقل. الا ان المحكمة حكمت عليه بالسجن ١٨ شهرا فقط.
٤- ان المحكمة العسكرية الاسرائيلية بحكمها على القاتل بهذا الحكم المخفف فإنها لا تعير اي اهتمام لحياة الانسان الفلسطيني، رغم معرفتها بأن هذا الجندي متواجد على الارض الفلسطينية المحتلة ويمارس بحق شعبنا هو وغيره من الجنود انتهاكات لا تعد ولا تحصى الامر الذي دفع هذا الشهيد وغيره للقيام برد فعل على هذه الممارسات.
٥- من خلال ما ذكر سابقا وغيره من الامور الاخرى فإنه لا يوجد قضاء اسرائيلي عادل، بل قضاء منحاز، ومدافع عن جنود الاحتلال المدان عالميا.
٦- الحكم المخفف على القاتل يدفع غيره من جنود الاحتلال لقتل ابناء شعبنا بدم بارد وهو ما حصل عدة مرات حيث اطلق جنود الاحتلال النار على شبان وفتيات من ابناء شعبنا لمجرد الاشتباه بهم، مما ادى الى استشهادهم ومثال ذلك ما حصل على حاجز قلنديا قبل اشهر عندما اطلق جنود الاحتلال النار على فتاة حامل وشقيقها ضلا الطريق لعدم معرفتهما بأن هذه الممرات هي للمركبات فقط.
* اما على صعيد جيش الاحتلال وجنوده فيمكننا تسجيل ما يلي:
١-دفاع قادة الجيش وفي مقدمتهم رئيس الاركان الاسرائيلي عن الجندي، يدفع غيره من جنود الاحتلال للقيام بما قام به الجندي القاتل، لأنه سيجد من سيدافع عنه من قبل قادة الجيش.
٢-دليل واضح على ان هناك أوامر للجنود بقتل اكبر عدد ممكن من الفلسطينيين سواء اكانوا يشكلون خطرا على الجنود ام لا.
٣-دليل واضح على انحدار في اخلاق قوات الاحتلال، فالجندي القاتل عن قصد وسابق اصرار، يعني انه هو وغيره بلا اخلاق، وان مزاعم الاحتلال بأخلاقية الجيش الاسرائيلي هي مجرد ذر للرماد في العيون، وان ما يمارس على الارض هو عكس ذلك تماما.
٤- سقوط مقولة طهارة السلاح الاسرائيلي، فإطلاق الرصاص على شاب مشلول الحركة وملقى على الارض ولا يشكل اي خطر على اي جندي احتلالي، يعني عدم طهارة هذا السلاح وان الادعاءات الاسرائيلية الاحتلالية بهذا الشأن باطلة.
٥- تغيير الجندي القاتل إفادته عدة مرات يدل على ان جنود جيش الاحتلال غير صادقين ويكذبون، اي بدون اخلاق، فجنود يكذبون هم غير اخلاقيين ابدا.
٦- الجنود الاسرائيليون يتم تلقينهم في القواعد العسكرية اثناء فترات التدريب، الكذب والنفاق وسرعة إطلاق الرصاص على الفلسطينيين، لإخافتهم واستسلامهم كمقدمة لترحيلهم واحلال المستوطنين مكانهم.
*اما على صعيد حكومة الاحتلال الاسرائيلي، فيمكن تسجيل ما يلي:
- دفاع رئيس الحكومة ووزراء حكومته عن الجندي القاتل والمطالبة بإطلاق سراحه، يدفع غيره من جنود الاحتلال على قتل الفلسطينيين بدم بارد وهو ما حصل أكثر من مرة، ما دامت الحكومة اليمينية المتطرفة والعنصرية تدافع عنهم.
٢ - استهتار حكومة الاحتلال بالقيم والأخلاق، ودعوات غير مباشرة لقتل الفلسطينيين.
٣ - مهاجمة عدد من الوزراء للمحكمة التي أصدرت الحكم على القاتل ازاريا رغم هذا الحكم الصوري، يدلل على ان هذه الحكومة تدعم عمليات القتل ضد الفلسطينيين بدون أدنى خجل أمام العالم على الأقل.
٤ - مطالبة عدد من الوزراء بعدم سجن القاتل ازاريا ولو ليوم واحد، يعني تأييد هذا القاتل من قبل الحكومة ودفع غيره على قتل الفلسطينيين.
٥ - مطالبة رئيس دولة الاحتلال بإصدار عفو عن القاتل يعني تشجيعا له ولغيره على قتل الفلسطينيين.
٦ - مهاجمة اسرائيل للأمم المتحدة ومنظمات حقوق الانسان التي انتقدت الحكم الخفيف على الجندي القاتل، هو اعطاء ضوء أخضر لغيره من الجنود لقتل الفلسطينيين.
وعلى صعيد الجمهور الاسرائيلي يمكن تسجيل النقاط التالية:
١ - التعاطف الكبير مع الجندي القاتل دليل على مدى كره الاسرائيليين للفلسطينيين رغم انهم يحتلون بلادهم وأرضهم ويمارسون ابشع الانتهاكات بحقهم.
٢ - التظاهرات امام المحكمة المؤيدة للجندي القاتل ووصفه بالبطل والمدافع عن اسرائيل يشجع غيره من الجنود على قتل الفلسطينيين.
٣ - تأييد نسبة كبيرة من الجمهور الاسرائيلي للقاتل يدلل على أن المجتمع الاسرائيلي ينحدر بصورة سريعة نحو العنصرية والتطرف ضد كل ما هو فلسطيني سواء داخل الخط الأخضر أو في الأراضي المحتلة عام ١٩٦٧.
٤ - التأييد الكبير من قبل الجمهور الاسرائيلي يدفع ايضاً المستوطنين لمواصلة جرائمهم ضد الفلسطينيين من حيث الاعتداءات على المواطنين وممتلكاتهم كالاستيلاء على الأراضي وقطع الأشجار ومنعهم من الوصول الى ينابيع المياه.. الخ.
هذا غيض من فيض يدلل بصورة جلية وواضحة بأن القضاء الاسرائيلي غير عادل ومسيس، وأن المجتمع الاسرائيلي ينحدر بتسارع كبير نحو العنصرية وكره كل ما هو فلسطيني او يمت للفلسطينيين بصلة.
بقي ان تشير الى ان البعض من الكتاب والمحللين السياسيين قارنوا بين الاحكام التي تصدرها نفس المحاكم الاحتلالية على الفلسطينيين والحكم الصادر بحق الجندي الاسرائيلي القاتل واعتقد بأن هذه المقارنة غير دقيقة وغير صحيحة فشتان ما بين الثرى والثرية.
ومن واجب القيادة الفلسطينية ممثلة بالسلطة وكافة الاطياف السياسية الأخرى استغلال ذلك والتحرك دولياً وعلى كافة المستويات لإدانة الاحتلال وعنصريته واللجوء الى محكمة الجنايات الدولية لمحاكمة الاحتلال على جرائمه.

