ما العمل؟
الكاتب: نبيل عمرو
ما هي السياسة الفلسطينية بالضبط؟
وما هي خطط مواجهة تحديات الحاضر، التي تنذر بتحديات أكبر في المستقبل؟
وما هي الترتيبات الداخلية التي تخلق توازناً بين الوضع الذاتي والواقع المحيط واهتماماته ومعادلاته؟
هذه أسئلة لا يجيب عنها شخص أو مجموعة، بقدر ما هي مهمة مؤسسة متكاملة، تضع البرامج والآليات وتحدد التحالفات.
لقد وقعنا ولفترة طويلة في محذور العناوين، ونحن مع ماذا وضد ماذا، والأمثلة على ذلك كثيرة، فنحن مع التوجه الى الأمم المتحدة، ومع عرض قضيتنا على مجلس الأمن، والتوجه الى محكمة الجنايات الدولية، والرهان على المبادرة الفرنسية، والابتهاج بالخطاب الوداعي لكيري، والاحتفاء بقرار مجلس الامن الأخير.
وبعد ان امتلأت جعبتنا وفاضت بكل هذه الأطايب السياسية، بدأنا رحلة التذمر من جديد، فمجلس الأمن أغلق بابه للتحسينات، والذي سيحسّن هو دونالد ترمب، والذي تعهد بعدم السماح لاي شيء حتى لو كان شكليا تعترض عليه إسرائيل، ومحكمة الجنايات الدولية حبالها طويلة، وقد بلغت الحكومة الإسرائيلية من "الكلاحة" حد الغاء احكامها قبل ان تُبحث او تصدر.
هذا بعض ما يحدث في العالم الخارجي، امّا إسرائيل الخصم الأول والأخير، وأعني هي ومن يشد على يدها، فقد اتحدت اخيراً على معادلة توائم بين تأبيد الاحتلال وتنظيمه.
كان عنوان معالجتنا فيما مضى يبدأ بعبارة "حكومة اليمين تريد كذا وتعمل كذا وكذا" حتى تولد عندنا وعي بأن اصل المصائب هو اليمين، وأن من يأتي بديلا عنه هو الأفضل لنا، وتذكرون كيف تابعنا انتخابات الكنيست الاخيرة، وتحمسنا لاحتمالية سقوط نتنياهو، حيث سيكون بديله هرتسوغ وليفني وربما كحلون ولبيد، وقدّرنا ان بيضة القبان ستكون القائمة المشتركة، التي سيكون بمقدورها الترجيح، وتمنينا لو ان ميريتس تأخذ أصواتا اكثر لتشكل مع القائمة المشتركة سداً يعتد به في اللعبة الداخلية الإسرائيلية.
كان يمكن للوهم هذا ان يتواصل لوقت طويل، حين تغذيه تصريحات تحمل في ظاهرها لمحات إيجابية لمصلحة الفلسطينيين، غير أن هيرتسوغ زعيم المعارضة، عاجل لتبديد الوهم من رؤوس معتنقيه، فقدم مشروعا لحل سياسي لم ير منه المراقبون سوى تنقيح لغوي وصياغي لسياسة اليمين المعلنة، التي يتصدر واجهتها بنيامين نتنياهو وحلفائه ليبرمان وبنيت.
فما العمل حيال هذه الظاهرة المؤرقة؟
ما العمل حيال تضاؤل التأثير الدولي على إسرائيل عملياً، وتسارع العملية الداخلية في إسرائيل في سباق محموم بين من يسعى لتنظيم الاحتلال وتزيين صورته، وبين من يعمل على تأبيده واستقطاب مؤيدين عرب ودوليين لهيمنته وديمومته؟
حقا انه الوقت المناسب لسؤال ما العمل وليس ما القول، فمجال القول مفتوح بمساحة الكون كله، ولكن دون نتيجة، والعمل ضروري وملح، شريطة أن يبدأ ولكنه لا يبدأ.
خصومنا لديهم شهية ومعدة لا تمتلىء ولا تشبع، وحين ندقق فيما حدث وخصوصا ما تسرب عن قمة العقبة السرية، ولا نكتفي تلميحا او تصريحا بموقف من العنوان، فإننا نكتشف بكل بساطة ان رفض نتنياهو لكل الصيغ المقترحة وفق ما تم تسريبه ، فإن الرجل لم يعد مكتفيا بالوجبة الفلسطينية التي اوسعها قضما وهضما، بل راح يتطلع الى وجبة إقليمية طبقها الأساسي العرب. رفض كل شيء لأنه يريد اكثر بكثير مما عرض عليه، فما العمل حيال هذا التطور الدرامي الخطير، ونحن نعرف حال العرب والى أين يتجهون.
الضبابية القائمة الان والتي تحجب عنا البصر والبصيرة ينبغي ان تزول، وان يحل محلها وضوح في قراءة المعادلات، ووضع خطط للتعامل معها، وهذا حتى الان لا نراه، ولا تغني عنه لا التصريحات النارية ولا القاء اللوم على الاخرين.
مرة أخرى .. نريد جواباً شافيا ينتظره الفلسطينيون ويتشوقون لسماعه، ما العمل ثم ما العمل ثم ما العمل؟؟.

