معادلة: "المستقرضات.. وحالتنا الفلسطينية!!
الكاتب: حمدي فراج
نعيش هذه الأيام ما درج الفلاحون على تسميته بالمستقرضات، وهي آخر أيام شهر شباط وأول أيام شهر آذار، ليس للأمر علاقة بالبنوك وقروضها، فهذا الموضوع خط أحمر، لا أحد يستطيع توجيه النقد العلني لمهاجع المال، فهي عصب السياسة والاجتماع والرياضة والاراب ايدل.
يقول الموروث الشعبي أن عجوزا استأنست كثيرا بشمس شباط ، واكتشفت فجأة انه يلفظ أيامه الاخيرة، فقالت: مضى «شباط الخباط، دون ان يأخذ منا نعجة ولا رباط، ودسينا في مؤخرته المخباط». سمعها شباط وغضب من هذه الإهانة، وقرر اللجوء الى أخيه شهر آذار قائلا له: آذار يا ابن عمي، ثلاثة منك واربعة مني، لنجعل واديها يغني.
في كل سنة، يحفظ الناس عن هذه الأيام انها أيام قاسية، تهطل فيها الأمطار بشدة وتنخفض درجات الحرارة بشكل ملموس وتهب عواصف شديدة تقتلع الأشجار والخيام، وتنفجر السيول فتجرف ما تصدفه في طريقها، كحالة تعبيرية تراجيدية جراء تسرع العجوز في الحكم على انتهاء شهر شباط الخباط ، الذي "يشبط ويخبط ورائحة الصيف فيه".
شكلت الحقبة الاخيرة من حياتنا السياسية الفلسطينية حالة "شباطية" استمرت زهاء ربع قرن، اعتقدنا ان الاحتلال يلفظ أنفاسه الكريهة على أرضنا، و أنه بدأ يرقص رقصة موته الأخيرة، وأن زهرات حريتنا واستقلالنا وعودة مهجرينا قد أخذت بالتشكل والتبرعم، للدرجة التي انطلت علينا فكرة الرخاء والنماء و"النمور الاقتصادية" و"سنغافورة الشرق" ، فأصبح لدينا من البنوك ما لا يوجد في الدول العريقة والكبيرة، بما في ذلك بنوك اسلامية "بدون الربا" الذي حرمه الله في كتابه العزيز. كما انطلت علينا فكرة الديمقراطية، وانتخابات رئاسية وتشريعية وبلدية، كانت آخر مرة ذهبنا فيها الى الصناديق قبل أكثر من عشر سنوات، لكن الأهم أن من قمنا بانتخابهم، جمدوا أنفسهم ولم يشرعوا قانونا واحداً، ذلك أن أحدا لم يدرك ان مرجعية تشريعنا، هي كنيستهم الاسرائيلية.
وها هي الانتخابات البلدية التي قررت في "المستقرضات"، ستجري في الضفة بدون غزة، أما القدس، فهي تستعد لاستقبال سفارة أمريكا من تل أبيب.
ثم انتخابات مجلس وطني جديد، رحل أعضاؤه بحكم السن والتقادم، حتى جاء عقد مؤتمر الخارج في اسطنبول ليوتر العلاقات المتوترة بين المنظمة و«حماس»، رغم مؤتمر بيروت التوحيدي الذي بقيت قرارته حبرا على ورق، وما بينهما مؤتمر طهران لدعم الانتفاضة، فوتر العلاقات بين السلطة والجهاد.
تقول الرواية التراثية، ان الامطار والسيول جرفت العجوز وأغنامها، وأخذت تولول وتندب ما أصابها، خاصة ان أغنامها حوامل على وشك الميلاد ، لكن كان كل شيء قد تأخر!!

