إضراب الأسرى وتداعياته المحتملة
الكاتب: زياد أبو زياد
من أبسط المبادىء القانونية المتعارف عليها دوليا ً هو أنه لا جريمة ولا عقوبة إلا بنص قانوني وأنه لا يجوز أن يُعاقب المرء مرتين على نفس العمل . أي أنه إذا صدر حكم بالسجن على أحد فإنه لا يجوز إيقاع أية عقوبة أخرى لم ترد في قرار الحكم. فالسجن بحد ذاته هو مصادرة للحرية الشخصية ولا توجد عقوبة أقسى من مصادرة الحرية.
ورغم هذا المبدأ البسيط الواضح إلا أن سلطات الإحتلال الإسرائيلي حاولت ومنذ الأيام الأولى للإحتلال عدم الإكتفاء بعقوبة السجن وإنما محاولة استخدام كافة وسائل الضغط النفسي والجسدي والمعنوي على المعتقلين لكسر معنوياتهم والإمعان في تعذيبهم حتى بعد صدور الأحكام عليهم من محاكمها العسكرية التي لست هنا بصدد مناقشة شرعيتها.
ولقد خاضت الحركة الأسيرة ومنذ أواخر الستينيات سلسلة طويلة من النضالات دفعت ثمنها عددا من الشهداء وكثيرا من العذاب والمعاناة النمطية في كل مرة تقرر المواجهة مع إدارة السجون إلى أن انتزعت بعض حقوقها وحققت بعض التحسينات على مستوى الحياة اليومية للأسرى التي هي في الأصل حق لهم وفق كل القوانين والأعراف الدولية . والذي يتحدث إلى الرعيل الأول من الأسرى الذين أمضوا فترات في السجن في بدايات الإحتلال يستطيع أن يرى كيف كانت الصورة وكيف تم تحسينها بالنضال والمعاناة وأحيانا ًبالتضحية بالأرواح.
والمؤسف أن الأسرى أصبحوا في السنوات الأخيرة هدفاً للتحريض من قبل العناصر اليمينية المتطرفة المتنفذة في الحكومة والكنيست الإسرائيلي التي تحاول انتزاع المكاسب التي حققها الأسرى عبر سنين طويلة من النضالات ودفعوا ثمنا ً باهظا لقاء الحصول عليها والتي ليست ترفاً وكرما من إدارة السجون وإنما حقا ً إنسانياً من أبسط حقوق الإنسان الأساسية. وقد استجابت إدارة السجون تدريجيا ً لهذه الضغوط اليمينية وبدأت تنتقص من حقوق الأسرى بشكل تدريجي وتتعمد تعريضهم لمعاملة مهينة وقاسية تتعارض مع أبسط الحقوق التي تكفلها معاهدة جنيف الرابعة للتعامل مع الأسرى ، بالرغم من عدم اعتراف سلطات الإحتلال بانطباق معاهدات جنيف على الأراضي الفلسطينية المحتلة لأسباب سياسية توسعية.
ولقد أفادت التقارير التي تتناقلها وسائل الإعلام والأحاديث التي ترد على لسان المعتقلين وذويهم أن الأمور ظلت تتدهور بشكل مستمر وأن الحركة الأسيرة لا تستطيع الإستمرار في السكوت عليها وأنها قررت خوض المعركة ضد هذه الإجراءات القمعية غير القانونية ليس بالمواجهة العنفية وإنما باستخدام أكثر الوسائل سلمية وهي وسيلة الإضراب المفتوح عن الطعام . فهل هناك أمر أكثر سلمية من قرار الأسير بأن يتخلى عن طعامه وأن يتخذ من معدته الخاوية وسيلة للتعبير عن رفضه قسوة وفظاظة السجن والسجان والمطالبة بحقوقه الإنسانية الأساسية التي تكفلها له كل الشرائع والقوانين والأعراف الدولية ؟!
لقد أعلنت الحركة الأسيرة بقيادة الأخ المناضل مروان البرغوثي ورفاقه قادة الحركة الأسيرة الإضراب المفتوح عن الطعام اعتبارا ً من السابع عشر من الشهر الحالي وهو يوم الأسير لما له من رمزية. ولا شك بأن هذا اليوم سيكون يوما ً مميزا ً في مسيرة الأسرى ذلك لأن من المتوقع أن يبدأ الأسرى في الإنضمام تدريجيا ً للإضراب بحيث تظل دائرته تتسع كلما استمر أكثر إلى أن تتحقق مطالبهم.
لقد واكبت نضالات الحركة الأسيرة منذ بدياتها في أواخر الستينيات وكنت على تماس مع معظم الإضرابات والإحتجاجات التي تمت ومن بينها إضراب سجن نفحة عام 1980 وما بعد ذلك. وأقول بأنني وبعد الإطلاع على مطالب الأسرى هذه المرة ، والتي نشرت أمس في صحيفة "القدس" وغيرها من الصحف المحلية، أجزم بشكل قطعي بأن الأسرى لم يبالغوا بأي شكل من الأشكال في مطالبهم ، وأنهم يطالبون بحقوق أساسية بديهية بسيطة لا يجوز بأي حال من الأحوال لإدارة السجون أن توصلهم إلى حال لا يبقى أمامهم سوى الإضراب للحصول عليها.
فما المشكلة في أن يستغل الأسير وقته في الدراسة سواء للتوجيهي أو الجامعة المفتوحة ، وما المشكلة في أن يكون هناك هاتف عمومي في السجن يستطيع الأسير من خلاله أن يتصل بأهله وهو يعلم أن هاتفه مراقب من قبل إدارة السجن ، وما المانع في العودة لنظام الزيارات نصف الشهرية وما العيب في تحقيق الحد الإنساني الأدنى في معاملة المعتقلين حين نقلهم من مكان لآخر سواء الى المحكمة أو النقل، ولماذا لا يتم تحقيق الحد المقبول والمتعارف عليه من العناية الطبية بالأسرى.
إن نظرة على قائمة مطالب الأسرى تثبت دون أدنى شك بأن كل مطالبهم دون استثناء تنسجم مع أبسط الحقوق الإنسانية للاسرى. ولا يجوز لإدارة السجون أن تستجيب للضغوط التي تمارس عليها من قبل سياسيين يمينيين متطرفين يسعون لتحقيق المكاسب الإنتخابية على حساب معاناة الأسرى فيحاولون التنكيل بالأسرى والإنتقام منهم إضافة للعقوبة التي فرضت عليهم في محاكم عسكرية لا تخضع للقانون المدني وتصدر الأحكام كيفما تشاء.
نحن على أبواب فترة مليئة بالتناقضات تفتح الكثير من الجروح المندملة تمارس فيها اسرائيل احتفالاتها بخمسين عاما ً لما تسميه تحرير أرض إسرائيل وتوحيد القدس ونسميه النكبة والإحتلال ، ونحن على أبواب احتفالات يهودية ومحاولات اقتحام الأقصى وإثارة المشاعر الدينية للمسلمين وردود فعلهم على ذلك ، ونحن في ظرف سياسي إقليمي ودولي حرج ومحاولات دولية لإعادة فتح ملف المفاوضات والمساعي السياسية . ونحن لهذه الأسباب مجتمعة ومتفرقة بأمس الحاجة لتهدئة الخواطر وخلق الأجواء الإيجابية لا إثارة الفتنة وتوتير الشارع .
ومن الطبيعي أن يكون للإضراب صدى في الشارع الفلسطيني الذي سيتفاعل بداهة مع إضراب الأسرى لدعم مطالبهم والضغط على إدارة السجون لتلبية هذه المطالب ، والذي سيشعل الشارع إذا وقع أي مكروه للأسرى لا سمح الله ، وهو أيضا ً سيتفاعل مع كل الظروف والتطورات المحيطة داخلية كانت أو إقليمية أو دولية.
هذه المرحلة بكل حساسياتها تتطلب التهدئة لا التصعيد ، وعلى إدارة السجون أن تقر وتعترف بأن كافة مطالب الأسرى واقعية وعادلة ومحقة وأن تدخل فورا ً في حوار مع قادة الحركة الأسيرة للإتفاق بشأن وضع خطة لتلبيتها وتنفيذها لما في ذلك من تحقيق للحد الأدنى من الحقوق الإنسانية للأسرى وحقن للدماء وتوفير للعناء والجهد على الطرفين.
فهل إدارة السجون قادرة على التحرر من ضغوطات السياسيين اليمينيين والتعامل مع موضوع الأسرى ومطالبهم العادلة بمسؤولية وموضوعية ؟ الكرة في الملعب الإسرائيلي.

