"المضبوطات".. بيئة خصبة للفساد وإهدار أموال من الخزينة
تصادر السلطة الفلسطينية سنوياً مئات الأطنان من البضائع المهربة من إسرائيل ومستوطناتها، والتي لم تتقاض السلطة ضرائب عليها. ولا تملك "الضابطة الجمركية" الفلسطينية ما يكفي من المخازن المؤهلة للبضائع المصادرة. لذا يتم تخزينها عند التاجر نفسه، أو عند تاجر آخر، بعد التوقيع على المستندات الملائمة.
"طالما البضاعة مش عندك، فرص الفساد بتكبر". يقرّ لطفي ناصر، مدير إدارة المكافحة والتفتيش في جهاز الضابطة الجمركية، بأن فرص وقوع "الفساد"، لدى العاملين في مجال الضبط عالية، في ظل ضعف السيطرة الكاملة على إدارة البضائع المضبوطة. تكون المضبوطات عرضة للتصرف من قبل صاحبها وإرجاعها إلى إسرائيل في مرات كثيرة، بسبب عدم خضوعها للرقابة وخروجها من تحت سيطرة الجهة الضابطة في مخازن خاصة بها.
هذا النقص يشكل بيئة خصبة لظهور بعض أشكال الفساد، كالواسطة، والمحسوبية، والاختلاس، واستغلال النفوذ الوظيفي، والرشوة، وهدر المال العام. عناصر الضابطة الجمركية، وموظفي الوزارات الشريكة وعناصر أجهزة الأمن الأخرى العاملة في المجال هم الأكثر عرضة للانخراط في أفعال الفساد. "خروج البضاعة إلى مستودعات غير خاضعة لسيطرة أي جهة رقابية سيعزز بالتأكيد من هذه الفرص"، يقول ناصر.
يتفق وكيل نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية ياسر صوافطة مع ناصر، في إمكانية حدوث أشكال الفساد المختلفة، لكنه أوضح بأنه يتم التعامل مع أي حالة اشتباه بالفساد وفق القوانين الجزائية.
في بعض مديريات "الضابطة" في الضفة الغربية، لا تتجاوز مساحة المخزن المخصص للضبط 40 مترا مربعا. غالبية المستودعات تصنف على أنها غير مؤهلة، من حيث المساحة والظروف التخزينية الملائمة لأصناف المضبوطات المختلفة كاللحوم والدواجن والمواشي الحية. يتم تكديس البضائع في مســتودعات الضابطــة بطريقــة غيــر منظمــة، مــا يــصعب حصــر المضبوطــات في كل قضيــة والرجــوع إليهــا عنــد الطلــب. "الضابطة الجمركية" تعترف بذلك، وتسعى لتوفير المخازن من خلال دعم من جهات دولية.
أموال تلقى في القمامة بدلا من الخزينة
تمارس الضابطة الجمركية عمليات الضبط بواسطة دوريات وكمائن على مداخل المدن، أو من خلال معلومات استخباراتية تنفذ على إثرها ملاحقة أو مداهمة لتجار متهمين بالتهريب. يحدث ذلك مع الجهات الشريكة لها في وزارات: الاقتصاد، والزراعة، والصحة، والاتصالات، وسلطة جودة البيئة، والمواصلات، وسلطة المياه. إلى جانب الأجهزة الأمنية الأخرى التي يمتلك عناصرها صفة الضبط القضائي، كالوقائي، والمخابرات، والشرطة.
يفيد الجهاز أنه تعامل خلال عام 2020 الماضي، بالتعاون مع شركائه، مع 6799 قضية، أتلف خلالها قرابـة 200 طن بضائع فاسدة. 64 في المئة من عمليات الضبط، قام بها جهاز الضابطة بالتعاون مع وزارة المالية. تركزت غالبيتها في ملفات التهرب الضريبي والتهريب الجمركي، وبدرجة أقل قضايا لبضائع قادمة من إسرائيل بلا فواتير المقاصة. إلى جانب عمليات ضبط التبغ المهرب، والسولار القادم من إسرائيل ومستوطناتها بلا ضرائب.
في القضايا الضريبية، يتيح قانون الإجراءات الجزائية، للمخالف تسوية ملفه خلال ستة أشهر من تاريخ الضبط. تطرح البضاعة للبيع في مزاد علني إذا لم يجد الملف طريقه للمصالحة. تقوم لجنة المعاينة والإتلاف المشكلة من قبل الضابطة ووزارة المالية بمعاينة البضائع. ونظرا لكون المستودعات غير مؤهلة، فإن البضائع تتعرض للتلف، وهذا يعني أن لجنة المزاد لن تعرضها للبيع. في قضايا كثيرة يؤكد لطفي ناصر مدير إدارة المكافحة والتفتيش، أن أكثر من نصف البضاعة يكون فاسدا، وتصادق لجنة الإتلاف على إتلافه. أي أن نصف المبالغ التي كانت يجب أن تذهب للخزينة العامة تلقى في القمامة.
تطرح البضائع في المزاد في حالات أخرى، حسب ما تقرره جهة الاختصاص استنادا إلى صلاحياتها بالقانون. فمثلا يمكن أن يتصرف وزير الزراعة بمضبوطات المنتجات الزراعية بإتلافها مباشرة إذا كانت قادمة من المستوطنات، أو إحالتها إلى المزاد العلني كحالات ضبط الحيوانات، ويذهب المبلغ إلى "حساب المضبوطات" في النيابة العامة، ليحال الملف للمحكمة المختصة. إذا قررت المحكمة إدانة التاجر يحول المبلغ إلى الخزينة العامة، وإذا أقرت براءته يرد المبلغ إليه خلال فترة زمنية محددة، وفق شرحِ ياسر صوافطة، وكيل نيابة الجرائم الاقتصادية في النيابة العامة.
كيف تدار المضبوطات؟
مشكلة نقص اللوجستيات لدى جهاز الضابطة الجمركية من أبرز العقبات أمام تحقيق إدارة سليمة للمضبوطات من لحظة ضبطها لحين التصرف بها، سواء بإرجاعها للتاجر أو بإتلافها أو بتحويلها للمزاد العلني.
حدد قانون الإجراءات الجزائية كيفية حفظ المضبوطات، بأن "توضع في حرز مغلق وتكتب عليها بياناتها وتودع في مخزن النيابة أو المكان الذي تقرره لذلك". وحسب القانون "إذا كان الشيء المضبوط قابلاً للتلف بمرور الزمن أو مما يستلزم حفظه نفقات تفوق قيمته، يجوز للنيابة العامة أو المحكمة أن تأمر ببيعه في المزاد العلني إذا سمحت بذلك مقتضيات التحقيق، وتودع حصيلة البيع في خزينة المحكمة، ولصاحبه الحق في أن يطالب بالثمن الذي بيع به خلال سنة من تاريخ انقضاء الدعوى، وإلا ذهب إلى الدولة دون حاجة إلى حكم بذلك".
أجاز القانون رد المضبوطات بناءً على طلب من كانت بحوزته وقت ضبطها، حتى لو كان ذلك قبل الحكم القضائي، شرط ألا تكون لازمة لسير الدعوى. أعطى القانون كذلك النيابة العامة والمحكمة حق رد المضبوطات، "يصدر الأمر بالرد من النيابة العامة، ويجوز للمحكمة أن تأمر بالرد أثناء نظر الدعوى". وتضمنت المادة (75) من ذات القانون، أمراً بوجوب توضيح كيفية التصرف بالمضبوطات من خلال الحكم الصادر في الدعوى.
قبل انتقال ملفات قضايا المضبوطات إلى نيابة مكافحة الجرائم الاقتصادية ومنها إلى المحكمة، تمر العملية بسلسلة من الإجراءات، تبدأ بتحرير محضر ضبط لحصر المضبوطات وأنواعها وكمياتها، ويتم الاتصال بالجهة الشريكة المختصة. مثلا الدواجن والخضار تحال لوزارة الزراعة، وبضائع المستوطنات للاقتصاد، والأدوية والمكملات الغذائية لوزارة الصحة، وأجهزة الاتصال والشرائح لوزارة الاتصالات. الضابطة تبقي في عهدتها المضبوطات المرتبطة بالجمارك والضرائب فقط. تتعامل جهات الضبط مع البضاعة إما بالحجز عليها أو إتلافها، حسب ما أجاز القانون لكل منها. لكن في كل الأحوال يجب أن يرفع الملف إلى النيابة العامة لاستكمال الإجراء القانوني.
لم تكن الضابطــة الجمركيــة تستخدم الســجلات والنمــاذج الخاصــة بإدخــال وإخــراج الأصنــاف المضبوطــة وفقــاً للقانــون قبل عام 2017، حسب تقرير ديوان الرقابة المالية والإدارية في تلك السنة. فعــدم وجــود هــذه الســجلات والنمــاذج يــؤدي إلــى عــدم الدقــة في حجــم الأرصــدة المتعلقــة بالمضبوطــات، وقــد يعرضها للاستغلال وظهور الفساد. لكن الجهاز صوب الخلل في السنوات الثلاث الأخيرة واستحدث نماذج معدة من قبل وزارة المالية لعملية الضبط.
يتم تسجيل كل التفاصيل عن المواد المضبوطة، من حيث الكمية والتقارير المصاحبة من المؤسسات ذات العلاقة، كما يتم أخذ إفادة من الشخص أو الأشخاص الذين بحوزتهم المضبوطات ويوقعون على الإفادة ومحاضر الضبط، وقد لا يوقعون، لترفع للنيابة العامة التي تجري التحقيق والتأكد من صحة الملف وأخذ الإفادة مرة أخرى. وهنا، يحظر على أي جهة التصرف في أي بضاعة مضبوطة لإن الصلاحية أصبحت للنيابة.
يرى وكيل نيابة الجرائم الاقتصادية، ياسر صوافطة أن عملية إتلاف المضبوطات شهدت تحسناً ملحوظاً خلال العامين الأخيرين. وبين أن العملية أصبحت مضبوطة بطريقة تمكن النيابة من رفع ملف قوي إلى المحكمة المختصة.
وتابع: "في القضايا التي تحول للنيابة لا يمكن أن يتم إتلاف أي شيء من المضبوطات دون قرار من النائب العام، حيث تشكل لجنة من عدة جهات، يرأسها عضو نيابة عامة مختص والجهات المختصة وجهة الضبط، ويتم تنظيم محاضر رسمية بعملية الإتلاف وضمها للملفات التي تتم إحالتها للمحاكم". تنطبق الإجراءات على جميع أنواع الإتلاف، من حيث تشكيل اللجان ومطابقة محاضر الضبط مع الكميات أو المواد المضبوطة المنوي إتلافها. إجراءات اعتبر صوافطة أنها تضمن إلى حد كبير عدم حدوث أي تلاعب في المضبوطات.

