مركز "شمس" الاحتلال يشرعن الاختفاء القسري في انتهاك صارخ للاتفاقيات الدولية

أكد مركز إعلام حقوق الإنسان والديمقراطية "شمس" أن الاختفاء القسري يمثل واحدة من أبشع الانتهاكات التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية. فهذه الممارسة لا تقتصر على حرمان الشخص من حريته بشكل غير قانوني فحسب، بل تنطوي أيضاً على سلسلة من الانتهاكات المركبة، تبدأ بحرمان الضحية من الحماية القانونية، وتمر بحرمان الأسرة من الحق في معرفة مصير أحبائها، ولا تنتهي إلا بتعريض المجتمع بأسره لحالة من الرعب المستمر. وأوضح المركز أن الاتفاقية الدولية لحماية جميع الأشخاص من الاختفاء القسري لعام 2006، والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقيات جنيف، كلها نصوص قانونية واضحة تعتبر هذا الفعل جريمة لا تسقط بالتقادم، وتلزم الدول بمنعها ومعاقبة مرتكبيها وضمان حق الضحايا وأسرهم في الحقيقة والإنصاف والجبر.جاء ذلك عبر بيان صحفي أصدره مركز "شمس" بمناسبة اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري الصادر عن الجمعية العامة للأمم المتحدة بتاريخ 21 كانون الأول 2010 ، استناداً للقرار رقم 65/209 ، وإلى قرارها اعتبار يوم 30 آب من كل عام اليوم الدولي لضحايا الاختفاء القسري ابتداءً من عام 2011، وهو يوم مخصص لتسليط الضوء على معاناة الضحايا وأسرهم وتعزيز الوعي العالمي بخطورة هذه الجريمة، والتأكيد على حق الضحايا في معرفة الحقيقة، وضرورة مساءلة الجناة وإنصاف المتضررين.
كما أدان مركز "شمس" بشدة استخدام سلطات الاحتلال الإسرائيلي لسياسة الاختفاء القسري منذ بداية الاحتلال، حيث اعتمد الاحتلال منذ اليوم الأول لوجوده في الأراضي الفلسطينية على الإخفاء المتعمد للمعتقلين الفلسطينيين، سواء من خلال الاعتقال الإداري المفتوح المدة الذي يحرم المعتقل من أية ضمانات قانونية، أو عبر الاحتجاز في مراكز سرية ومعسكرات عسكرية لا تخضع لأي رقابة قضائية أو إنسانية. وأوضح المركز أن آلاف الفلسطينيين مروا بتجربة الاختفاء القسري، ما جعل هذه السياسة جزءاً بنيوياً من منظومة الاحتلال الأمنية والقانونية، وليست حالات فردية أو معزولة.
وشدد مركز "شمس" على أن الاختفاء القسري في السياق الفلسطيني لم يكن مجرد إجراء عابر، بل أداة مقصودة لترهيب الشعب الفلسطيني. فبقاء مصير المختفي مجهولاً يترك عائلات بأكملها في دوامة من الانتظار المؤلم، ويجعل المجتمع بأسره يعيش تحت تهديد دائم، وهو ما وصفته لجنة الأمم المتحدة المعنية بالاختفاء القسري بأنه شكل من أشكال العقوبة الجماعية، المحظورة بشكل مطلق في القانون الدولي الإنساني.
وقال مركز "شمس" إن مرحلة ما بعد السابع من أكتوبر 2023 مثلت نقطة تحول مأساوية، إذ صعد الاحتلال بشكل غير مسبوق من سياسة الاختفاء القسري، خاصة بحق سكان قطاع غزة. فقد وثقت منظمات حقوقية محلية ودولية حالات متزايدة لاختفاء مئات الفلسطينيين بعد اعتقالهم من الشوارع أو من أماكن نزوحهم أو على الحواجز العسكرية. وأضاف المركز أن عائلات هؤلاء المعتقلين لم تتلق أي معلومة حول مصيرهم، ولم يسمح لمحاميهم بزيارتهم، في خرق فاضح للمادة (9) من العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، وللمواد (27) و(32) و(147) من اتفاقية جنيف الرابعة التي تؤكد جميعها على حظر الاعتقال التعسفي والاختفاء القسري ومعاملة المدنيين كأسرى مجهولين.
وأكد مركز "شمس" أن نظام روما الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية لعام 1998 قد أولى جريمة الاختفاء القسري أهمية خاصة، باعتبارها من الجرائم التي تقع ضمن اختصاص المحكمة. فقد نصت المادة (7/1-ط) من النظام على أن "الاختفاء القسري للأشخاص" يعد من الجرائم ضد الإنسانية عندما يُرتكب في إطار هجوم واسع النطاق أو منهجي موجّه ضد أي مجموعة من السكان المدنيين. وعرّف النظام في المادة (7/2-ط) الاختفاء القسري بأنه اعتقال أو احتجاز أو اختطاف أشخاص من قبل دولة أو منظمة سياسية، أو بإذنها أو بدعمها أو موافقتها، ثم رفضها الاعتراف بحرمان هؤلاء الأشخاص من حريتهم أو إخفاء مصيرهم أو أماكن وجودهم، مما يضعهم خارج نطاق حماية القانون لفترة طويلة. ويؤكد هذا التعريف أن الاختفاء القسري ليس مجرد انتهاك فردي، بل هو جريمة مركبة تتداخل فيها انتهاكات الحق في الحرية، والكرامة، والمعاملة الإنسانية، وحق العائلات في معرفة الحقيقة. كما شدد نظام روما على أن هذه الجريمة غير قابلة للتقادم، وأن مرتكبيها يخضعون للمساءلة الجنائية الدولية، سواء كانوا مسؤولين سياسيين أو عسكريين أو منفذين مباشرين. وبذلك وفر النظام إطاراً قانونياً دولياً واضحاً لتجريم هذه الممارسة وضمان محاسبة المسؤولين عنها أمام القضاء الدولي.
وأوضح مركز "شمس" أن الاحتلال لم يتوقف عند حدود إخفاء الأحياء، بل تجاوز ذلك إلى إخفاء الشهداء عبر حجز جثامينهم ومنع عائلاتهم من معرفة أماكن دفنهم أو استلام رفاتهم، وهي سياسة قديمة تجددت بقوة بعد السابع من أكتوبر، خاصة في غزة حيث تم الإبلاغ عن مقابر جماعية مؤقتة أو نقل الجثامين إلى أماكن مجهولة. هذا السلوك يمثل انتهاكاً فادحاً لحق العائلات في الكرامة والحداد، ويشكل جريمة أخرى من جرائم الحرب التي تعكس إمعان سلطات الاحتلال في استخدام الإخفاء كسلاح متعدد الأوجه ضد الشعب الفلسطيني.
وأوضح مركز "شمس" أن الاختفاء القسري لا ينتهك فقط حقوق الأفراد، بل يقوض أسس العدالة وسيادة القانون على المستويين المحلي والدولي. فهو يجمع بين عدة من الجرائم، الحرمان من الحرية، التعذيب النفسي والجسدي، العقوبة الجماعية، وإنكار الحق في معرفة الحقيقة، ما يجعل من الضروري أن تكون هناك إرادة سياسية دولية واضحة لإنهاء هذه الممارسة ومحاسبة مرتكبيها.
وطالب مركز "شمس" المجتمع الدولي والأمم المتحدة وجميع الأطراف ذات العلاقة، بما في ذلك مجلس حقوق الإنسان، والمفوضة السامية لحقوق الإنسان، واللجنة المعنية بحالات الاختفاء القسري، واللجنة الدولية للصليب الأحمر، والهيئات التعاقدية المعنية بحقوق الإنسان،بالتحرك العاجل والفاعل لوقف هذه الجريمة المستمرة، وإلزام دولة الاحتلال بالإفصاح الفوري عن مصير جميع المعتقلين والمفقودين، والكشف عن أماكن احتجازهم أو دفنهم، وتمكينهم من الاتصال بعائلاتهم ومحاميهم، وضمان معاملتهم وفقاً للمعايير الدولية. ولا سيما وأن القانون الدولي يفرض التزاماً إيجابياً على الدول الأطراف وعلى المجتمع الدولي بعدم التواطؤ أو السكوت عن هذه الجريمة، والعمل على محاسبة مرتكبيها وضمان عدم إفلاتهم من العقاب.