خاص| من النزوح إلى نور الحفظ.. سمر الرملاوي وأبناؤها رحلة عائلة ختمت القرآن وسط الحرب
في زمنٍ تتنازع فيه العائلات هموم النزوح وضيق الحال وصوت القصف، اختارت سمر الرملاوي (40 عامًا) أن تجعل من بيتها مدرسةً قرآنية، ومن أبنائها رفقاء درب في رحلة حفظٍ استثنائية. لم يكن الطريق مفروشًا بالهدوء، بل بالتحديات؛ من جائحة كورونا إلى الحرب والنزوح، غير أن هدفًا واحدًا ظلّ حاضرًا: أن يكون القرآن حياةً يوميةً في هذا البيت.
تقول سمر إن فكرة الحفظ لم تكن طارئة، بل هدفًا وضعته منذ سنوات. “كل إنسان يضع هدفًا لا بد أن يسعى إليه”، هكذا تؤمن، لكن المفارقة أن أبناءها سبقوها إلى هذا الهدف.
البداية كانت مع ابنها الأكبر مالك (24 عامًا)، الذي أتم الحفظ في الصف العاشر، بدافع من صحبة صالحة شجعته على خوض التجربة. لم يكن التنافس بينه وبين صديقه إلا حافزًا إضافيًا، حتى ختم قبل صاحبه. تبعه شقيقه توفيق الذي حفظ في مرحلة الثانوية، ثم جاء دور الإخوة الأصغر.
في ذروة جائحة كورونا، حين أغلقت المدارس وبقي الجميع في المنازل، تحوّل البيت إلى حلقة تحفيظ. حفظ محمد القرآن كاملًا وهو في الصف الخامس، بينما أتمّت شقيقتاه تسنيم ودانيا الحفظ في الفترة ذاتها، يتبادلن التسميع ويصححن لبعضهن البعض، في مشهد عائلي يومي تحكمه المراجعة والتشجيع.
تقول سمر في حديث لــ"رايـــة" إن السر لم يكن في الضغط أو الإلزام، بل في “الغيرة في الخير”. كان الأبناء يتسابقون؛ إذا سبق الصغيرُ الكبيرَ شدّ الكبير همّته، وإذا أنهى أحدهم جزءًا، تحفّز الآخر ليوازيه. تحوّل التنافس إلى طاقة إيجابية صنعت إنجازًا جماعيًا.
لاحقًا، التحق الأبناء بمراكز تحفيظ، من بينها مركز “فاطمة أم الدرداء”، بتوصية من صديقات وأصحاب، وهو ما عزز قناعة الأم بأن الصحبة الصالحة طريقٌ ثابت إلى الخير.
الحرب.. امتحان الثبات
عام 2023 بدأت سمر مرحلة تثبيت الحفظ. لكن الحرب اندلعت قبل أن تُتمها. النزوح المتكرر، الانتقال من مكان إلى آخر، أصوات القصف، وانقطاع مراكز التحفيظ… كلها تحديات وضعت الرحلة أمام اختبار حقيقي.
“كنا نسمع ونحفظ في مكان، ثم يُقصف المكان نفسه”، تقول سمر، مستعيدةً لحظات الخطر. لكن رغم ذلك، لم ينقطع الحفظ. كانت تسميعها أحيانًا عبر الهاتف، وبقيت بناتها يتابعن مع المحفّظة إلكترونيًا لأنها بدورها نازحة.
في خضم الفوضى، حافظت الأسرة على أورادها القرآنية. صار لكل فرد ورده اليومي، ولو كان بسيطًا. ومع التكرار، قويت الملكة، وترسخت السور، حتى أتمّت سمر حفظ القرآن كاملًا، مثبتةً عشرة أجزاء في أصعب الظروف.
بيت يتنفس القرآن
لم يقتصر المشهد على الأبناء الكبار؛ فالصغار أيضًا – تسنيم، ملاك، وسوار – حفظن أجزاء خلال فترة الحرب، بينما واصل عبد العزيز ونسيم رحلتهما في المسجد، حتى وصلا إلى 16 و13 جزءًا على التوالي.
تقول سمر إنها كانت تخاف إرسالهم في ظل القصف، لكنها كانت تؤمن أن انشغالهم بالحفظ خيرٌ من انشغالهم بالخوف. “ما في مدارس، ما في تعليم… القرآن كان أقوى تعليم إلهم”.
رسالة أمّ
توجّه سمر رسالة للأمهات والآباء: “اسمعوا لأبنائكم. ربما لديهم أفكار أجمل مما نتصور. لا تكونوا متسلطين. أحيانًا فكرة الابن تكون أفضل من فكرة الأم”.
وتعترف أن أبناءها هم من شجعوها حين ترددت. كانت تخاف أن تبدأ، لكن إصرار ابنتها – “تعالي معنا” – كان الشرارة التي دفعتها لتلتحق بركبهم، وتصبح حافظة مثلهم.
في بيت سمر الرملاوي، لم يكن القرآن نشاطًا جانبيًا، بل أسلوب حياة. بين كورونا والحرب، بين النزوح والتشريد، ظلّت الأسرة متمسكة بخيط نورٍ رفيع، نسجته آياتٌ تُتلى في الخيام كما في البيوت.
رحلة لم تبدأ من ظروف مثالية، لكنها انتهت بإنجاز استثنائي: أمّ وأبناؤها يجتمعون حول مصحفٍ واحد، يراجعون، يتسابقون، ويثبتون أن في قلب العاصفة يمكن أن يولد نورٌ لا ينطفئ.

