الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:12 AM
الظهر 12:46 PM
العصر 4:26 PM
المغرب 7:49 PM
العشاء 9:18 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

خاص| "أحلاهما مُرّ": ابتسام وأمها السبعينية بين الجوع والخوف في خيمة غرب غزة

السبعينية أمينة غين
السبعينية أمينة غين

أروى عاشور- غزة:

على الحافة المنسية لمدينة غزة، حيث تلتقي تلال النفايات المتراكمة بأسراب الحشرات، لا يتوقف الموت عند حدود القذائف؛ بل يتسلل ببطء في تفاصيل حياة الأربعينية ابتسام غبن ووالدتها السبعينية أمينة. هناك، غرب المدينة، تُختزل تفاصيل المعاناة الإنسانية في خيمة مهترئة تفتقر لأدنى مقومات الآدمية، لتصبح شاهدًا صارخًا على قسوة واقعٍ فرضته الحرب، وجرّد المرأتين من العائلة، والسند، والمأوى المستقر.

خيارات أحلاها مُرّ

منذ أشهر طويلة، استقرت الخيمة الصغيرة كعالم وحيد لابتسام ووالدتها المريضة. بلا دخل، وبلا أقارب يملكون ترف المساعدة، تواجه ابتسام معركتها اليومية بمفردها. معركة تبدأ وتنتهي عند تأمين لقمة عيش تسد رمق جسدين أنهكهما الجوع والمرض.

تجلس ابتسام على عتبة خيمتها، محاطة بأكوام القمامة التي تزحف نحو مأواهن، وعيناها معلقتان بوالدتها خشية أن يصيبها مكروه. تتحدث بنبرة يمتزج فيها الانكسار بالإرهاق:

"أعيش وأمي وحدنا بعد أن فقدنا كل من كان يمكن أن يقف إلى جانبنا. لم يعد لنا معيل، ولا نملك ثمن طعام أو ماء أو دواء. نستيقظ كل صباح ولا نعلم كيف سنعبر ساعات النهار القادمة".

أمام نقاط توزيع المساعدات و"التكايا" الشحيحة، تقف ابتسام لساعات طويلة أملاً في حصة غذائية قد لا تأتي، لكن ثمن هذا الانتظار باهظ؛ إذ يفرضه عليها الخوف الدائم من ترك والدتها العاجزة وحيدة وسط بيئة تعج بالقوارض. تقول بمرارة: "حين أخرج للبحث عن طعام، يأكلني الخوف على أمي، وإذا بقيت بجانبها نجوع معاً. أصبحت حياتنا قائمة على الاختيار بين أمرين أحلاهما مُرّ. وأحياناً، أعود خالية اليدين بعد ساعات الانتظار، فلا أجد ما أفعله سوى البكاء".

دموع العجز وكرامة مهدورة

لا تدع ابتسام لدموعها مجالاً للاختباء وهي تصف تلك اللحظات القاسية التي تعود فيها إلى الخيمة دون كسر جوع والدتها. "أشعر بالعجز الكامل عندما تنظر إليّ أمي وتسألني بنظراتها إن كنت قد أحضرت شيئاً لنأكله"، توضح ابتسام والدموع تغالبها، مضيفة: "أكثر ما يؤلمني ليس الجوع بذاته، بل شعوري بأنني أخسر كرامتي وإنسانيتي أمام هذا الواقع الذي يحرمني حتى من حماية أمي المريضة".

أمراض تنهش الجسد المثقل بالسنوات

على الجانب الآخر من الخيمة، تفترش الأم السبعينية، أمينة غبن، أغطية بالية أثقلت تفاصيلها رطوبة الأرض وتلوث المكان. لم تعد الشيخوخة همّ أمينة الوحيد؛ فالبيئة الموبوءة المحيطة بالخيمة تركت ندوبها الواضحة على جسدها النحيل. أدت لدغات الحشرات وانتشار القوارض إلى إصابتها بأمراض جلدية شديدة الالتهاب، كان أقساها مرض "الحزام الناري" الذي ينهش رأسها ويزيد من عذابها اليومي.

تشير أمينة بيدين مرتجفتين إلى رأسها المتعب وتهمس: "الحشرات لا تتركنا ليلاً ولا نهاراً، نستيقظ على لدغاتها وننام على الخوف منها. أصبت بأمراض جلدية مؤلمة ولم أجد لها علاجاً، حتى المسكنات البسيطة باتت بعيدة المنال".

وتتابع والأنفاس تضيق في صدرها: "كل شيء حولنا يصرخ بالتلوث؛ الهواء، والمكان، وحتى المياه التي نحصل عليها بشق الأنفس غير صالحة للاستخدام. أشعر أن المرض يلتهم جسدي يوماً بعد يوم، ولا أملك سوى الصبر في مكان نسيه الجميع".

بين أسراب الحشرات وأكوام النفايات، تختصر حكاية ابتسام وأمينة فصلاً من فصول المأساة الصامتة في غزة؛ حيث لا يقتصر الصراع على النجاة من القصف فحسب، بل يتحول إلى كفاح يومي مرير ومستمر للحفاظ على ما تبقى من رمق الحياة والكرامة الإنسانية.

Loading...