الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:39 AM
الظهر 12:43 PM
العصر 4:21 PM
المغرب 7:24 PM
العشاء 8:45 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

بالصور..

من داخل خيمة في غزة … مدربة تعيد بناء نادٍ رياضي من مخلفات الحرب

المدربة إيمان المغير
المدربة إيمان المغير

أروى عاشور- غزة:

كل يوم حين تقترب الساعة من الرابعة عصراً، وتتراجع حدة الشمس قليلاً فوق منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس، يبدأ مشهد مغاير، هذه المنطقة الساحلية الضيقة التي تحولت قسراً منذ اندلاع الحرب في السابع من أكتوبر 2023 إلى واحدة من أكبر بؤر النزوح العشوائي في قطاع غزة، تغص اليوم بآلاف الخيام المهترئة المصنوعة من النايلون والقماش الخفيف.

هنا تمتد المعاناة على مساحات شاسعة من الرمال الصفراء الساخنة حيث تعيش عائلات فلسطينية بأكملها طُردت من بيوتها وفقدت حياتها المستقرة، لتجد نفسها في مواجهة العراء والرياح الشديدة، وسط هذا التزاحم والضجيج اليومي تبدأ خطوات نساء وفتيات بالتوجه نحو نقطة محددة؛ خيمة صغيرة بيضاء تقف وحيدة بين صفوف الخيام المتراصة.

للوهلة الأولى، تبدو الخيمة نسخة مطابقة لمئات الخيام حولها؛ مغبرة وتقاوم قسوة الطقس لكن ما يحدث في الداخل يروي قصة أخرى تماماً، تقول المدربة إيمان محمد المغيّر، البالغة من العمر 33 عاماً: "لم أكن أريد أن تبقى النساء حبيسات الخيام، بلا حركة ولا مساحة يفرغن فيها ما يحملنه من تعب وضغط، فكرت أن نصنع لأنفسنا مكاناً حتى لو كان خيمة صغيرة لا تشبه النادي الذي فقدناه".

تقوم الخيمة على أعمدة خشبية وحديدية خفيفة، تتمايل مع الرياح القادمة من البحر، وحولها تنتشر أشياء لا تنتمي إلى المراكز الرياضية: علب فول وحمص معدنية فارغة، زجاجات مياه ومطهرات مملوءة برمال الشاطئ، أكياس خيش ممزقة كانت تحتوي الطحين، وصناديق مساعدات وكميات من الأرز والعدس.

بالنسبة لآلاف النازحين، تبدو هذه الأشياء مجرد مخلفات يعاد استخدامها في أشياء أخرى، لكن بالنسبة لإيمان تحولت إلى معدات رياضية بديلة، تبين: "هذه الأشياء التي يراها الناس مخلفات، أنا أراها معدات تساعدنا على الاستمرار، علبة الفول يمكن أن تصبح وزناً، والزجاجة المملوءة بالرمل يمكن أن تتحول إلى أداة تدريب، نحن لا نحتاج إلى نادٍ فخم حتى نحافظ على أجسادنا وقوتنا".

داخل الخيمة، لا توجد مرايا أو أجهزة حديدية أو أوزان مقاسة بالكيلوغرامات، الأرضية رمل ناعم يتطاير مع الحركة، والموسيقى تنبعث من هاتف صغير حين تسمح شبكة الإنترنت الضعيفة بذلك، ومع حرارة النهار وضيق المكان، يصبح التدريب تحدياً جسدياً بحد ذاته.

بالنسبة للنساء، لم تعد التمارين مجرد وسيلة للحفاظ على الرشاقة بل تحولت إلى مساحة لتفريغ الضغط النفسي والتخلص من آثار أشهر طويلة من الحرب والنزوح، وتشير إيمان إلى أن ما تراه في وجوه النساء بعد انتهاء التمارين يؤكد لها أن الأمر يتجاوز اللياقة البدنية: "بعض النساء يدخلن الخيمة وهن في حالة توتر وصمت، وبعد التمرين أرى الفرق في وجوههن وطريقة حديثهن، يشعرن أنهن أنجزن شيئاً لأنفسهن، ولو كان بسيطاً، وهذا مهم جداً في ظل حياة فقدت فيها النساء كثيراً من إحساسهن بالسيطرة على يومهن".

لكن هذه الخيمة لم تكن بداية حكاية إيمان مع الرياضة، قبل السابع من أكتوبر ٢٠٢٣، كانت تبني مشروع حياتها المهنية؛ فهي عضو في الاتحاد الفلسطيني لكمال الأجسام واللياقة البدنية، وتعمل في التدريب الرياضي منذ أكثر من 11 عاماً، كما تتابع دراستها لنيل درجة الدكتوراه في التخصص.

في عام 2019، أسست صالتها الرياضية الخاصة، وتمكنت تدريجياً من تحويلها إلى أكبر صالة رياضية مخصصة للنساء في قطاع غزة، بمدينة رفح جنوب القطاع، كانت تعمل يومياً من السابعة صباحاً حتى السابعة مساءً، وتقدم برامج اللياقة وإعادة التأهيل، وإنقاص الوزن وزيادته، إلى جانب برامج خاصة للنساء اللواتي يعانين من متلازمة تكيس المبايض ومشاكل القوام وآلام الظهر

كما ضمت الصالة قسم الاستشارات الغذائية، وأجهزة الترامبولين، وغرف التدليك، ومنطقة استراحة، وحبال وأجهزة TRX، تتذكر إيمان تلك الأيام قائلة: "كان مشروع حلمي، وسعناه قبل الحرب مباشرة وكنا ما زلنا ندفع أقساطه".

تجاوزت تكلفة تأسيس وتجهيز المشروع 200 ألف دولار، جمعتها على مدار سنوات، وتقول: "النادي لم يكن مجرد جدران وأجهزة بل كان حصيلة عمري الأكاديمي والمهني، ويمثل الأمان المالي لعائلتي وللمدربات اللواتي عملن معي".

وخلال حرب الإبادة 2023، تعرض المبنى التجاري الذي يضم الصالة لقصف إسرائيلي مباشر، ودُمّر بالكامل، كانت إيمان حينها في أشهر حملها الأولى، وقد علمت بخسارة مشروعها أثناء النزوح، وتضيف: "في تلك اللحظة شعرت أن كل شيء انطفأ، كنت أقول ربما أعود يوماً وأعيد البناء حتى لو من تحت الركام، لكن لم يتبق شيء".

لم تكن الخسارة مهنية فقط؛ فقد المشروع مصدر دخل إيمان ووالدتها وشقيقتها وعدد من المدربات والعاملات، في حين كان يمول أيضاً دراستها العليا "الماجستير".

بعد مغادرتها رفح، تنقلت إيمان وعائلتها بين منطقتي الشاكوش في عدة مناطق في مواصي رفح، والحي البريطاني، ومنطقة القادسية، قبل أن يستقر بهم الحال في "فش فريش" بمواصي خان يونس، وتقول إن الضغط النفسي والنزوح المتكرر تسببا لها في ارتفاع حاد بضغط الدم أثناء الحمل، ما استدعى دخولها المستشفى والمتابعة الطبية.

وتقول: "النزوح المتكرر يدمر الجسد والنفس معاً، والمشي تحت أصوات القذائف وأنا حامل جعلني أشعر أنني قد أفقد طفلتي في أي لحظة لكن الخوف الأكبر كان العجز".

بعد استقرارها النسبي، بدأت تتلقى رسائل من متدرباتها القديمات ونساء في المخيم يسألنها كيف يمكنهن ممارسة الرياضة في ظل غياب الصالات والأجهزة.

من هنا بدأت الفكرة، استخدمت علب الفول والحمص كأوزان صغيرة، وملأت زجاجات الزيت والمياه بالرمل لتصبح أوزاناً أثقل، واستغلت صناديق المساعدات كمنصات لتمارين الخطوات، وربطت الكوفية الفلسطينية بأعمدة الخيمة لتصبح حبال مقاومة. كما دخلت الكراسي البلاستيكية وأعمدة الخيام وأكياس الطحين والعدس في التدريبات.

توضح إيمان: "هذه الأشياء موجودة في كل خيمة تقريباً، يعني أي امرأة يمكنها أن تتمرن بدون تكلفة، عندما رأيت كيف تفاعلت النساء مع أول علبة رمل رفعتها، أدركت أن غزة لا تموت، وأننا قادرون على خلق بدائل للحياة من وسط الركام".

بعد تجربة أولى مع جاراتها، بدأت بتصوير مقاطع قصيرة من خيمتها ونشرها عبر منصات التواصل الاجتماعي، وسرعان ما تواصلت معها مئات النساء والفتيات من مناطق مختلفة، بعضهن يعانين آلاماً وتيبساً في العضلات نتيجة قلة الحركة.

اليوم تتابع أكثر من مئة امرأة وفتاة تدريباتها بانتظام، داخل غزة وخارجها، بما في ذلك متدربات قديمات غادرن القطاع إلى الأردن ودول أوروبية.

ومن بينهن ريم يوسف، 28 عاماً، النازحة من بيت لاهيا إلى مدينة غزة، والتي تعاني من ركبة صناعية جعلت المشي وثني الساق والركوع أمراً صعباً، أعدت لها إيمان برنامجاً خاصاً عبر "واتساب"، ركز على تقوية العضلات المحيطة بالركبة وتجنب القفز والحركات العنيفة، تقول ريم: "بعد شهرين تقريباً بدأت ألاحظ فرقاً في الحركة والمشي، الركوع في الصلاة كان بالنسبة لي حلماً بعيد المنال، والآن استعدت مرونة جسدي وفتحت أمامي طاقة أمل جديدة".

أما آلاء راضي، 35 عاماً، النازحة في مخيم النصيرات، فبدأت التدرب بعد ولادة قيصرية، بينما كانت ترعى رضيعتها التي لم تتجاوز الشهرين، أرسلت لها إيمان تمارين استشفاء تدريجية ونصائح غذائية تناسب وضعها، تبين آلاء: "الفيديوهات التي تشاركها عبر الإنترنت أصبحت مثل الكنز للمرأة النازحة، خاصة الأمهات اللواتي لا يستطعن مغادرة خيامهن".

وتروي سوسن عزام، 25 عاماً، تجربة أخرى؛ إذ ارتفع وزنها إلى نحو 100 كيلوغرام خلال النزوح، ما سبب لها آلاماً في المفاصل وضيقاً في التنفس. التزمت ببرنامج إيمان، وانخفض وزنها إلى نحو 70 كيلوغراماً. وتحتفظ سوسن وصديقتها بعلب المساعدات المعدنية لتحويلها إلى أوزان، تقول: "خسارة ثلاثين كيلوغراماً وسط ظروف الحصار والنزوح هي معركتي الشخصية التي انتصرت فيها".

تشمل تدريبات إيمان تمارين شد الجسم، والقوة باستخدام الأوزان الرملية، واليوغا والتنفس والاسترخاء، وبرامج إنقاص الوزن وتمارين مخصصة لبعض الحالات الصحية.

لكن العمل من خيمة نزوح ليس سهلاً، انقطاع الكهرباء يعيق شحن الهاتف، وضعف الإنترنت قد يجعل تحميل فيديو مدته خمس دقائق يستغرق يوماً كاملاً، كما تضطر أحياناً إلى تثبيت الهاتف فوق صندوق كرتوني أو كيس رمل لتصوير التمارين.

واجهت أيضاً انتقادات من بعض الفئات المحافظة التي رأت أن ممارسة المرأة للرياضة وسط الحرب أمر غير ضروري لكنها تقول: "هذا الشيء أعادني للمجال الذي أحبه، ومنحني سبباً لأكمل رغم كل شيء، الرياضة حاجة ملحة لصحة النساء النفسية والجسدية وسط هذا الدمار".

ورغم قوتها أمام المتدربات، تخفي إيمان وجعاً آخر؛ فطفلتها الأولى والوحيدة ولدت خلال الحرب داخل خيمة طبية مؤقتة في مواصي خان يونس، ولم تعرف في حياتها سوى القماش والرمال والرياح، تروي وعيناها تلمعان بالدموع: "ينفطر قلبي لأن طفلتي الأولى ولدت وتكبر بين الرمال والخيام، طالما تخيلت أنها ستكبر وتلعب بجانبي داخل الصالة الرياضية الفخمة التي كنت أملكها".

اليوم، تظل الرمال أرضية التدريب الوحيدة، وتضحك إيمان قائلة: "التدريب على الرمل أصعب ويحرق سعرات حرارية أكثر"، وتطالبها النساء يومياً بفتح جيم حقيقي، ولو من الخشب أو الزينكو، لكنها لا تملك رأس المال بعد خسارة مشروعها ومدخراتها.

ومع ذلك، ترفض الاستسلام، وتختتم مؤكدة: "مهما دمروا من أحلامنا، سنظل نخترع البدائل من أبسط أدوات الحياة، والنادي الرياضي الحقيقي ليس الأجهزة الحديدية بل الإرادة الصلبة المتجذرة في نفوسنا".

في كل يوم بعد العصر، تعود إيمان إلى بقعة الرمل ذاتها، تفتح هاتفها، وتصنع من الكراكيب والعلب الفارغة والأشياء المهملة التي أسقطتها الحرب نادياً رياضياً جديداً ينبض بالحياة والأمل في وجه الدمار.

 

 

 

Loading...