"الحضن الأخير"..
خاص| بعد 3 أعوام من الانتظار.. فايز يودّع نجله و70 شهيدًا من عائلته
في صباح اليوم الأحد، خرج المئات من أهالي حي الزيتون جنوب شرق مدينة غزة في موكب تشييع نحو مائة شهيد، غالبيتهم من الأطفال والنساء، بعد انتشال جثامينهم من تحت أنقاض المنازل المدمرة، تعود لعائلات ملكة، وإرحيم، والبلعاوي، وسلمي.
انطلق الموكب من أمام مسجد الإمام الشافعي، حيث ألقى ذوو الشهداء نظرة الوداع الأخيرة على جثامين أحبائهم، التي لُفّت بالأعلام الفلسطينية، قبل أن يتوجه المشيعون إلى مقبرة الشهداء بجوار مستشفى الأهلي العربي، حيث ووريت الجثامين الثرى في قبور جماعية.
بين تلك الجثامين، كان يوسف ملكة.. طفلًا لم يتجاوز 9 سنوات عمره، لكنه ترك خلفه حكاية تختصر وجع عائلة كاملة.

يعود والده فايز ملكة بذاكرته إلى الليلة التي سبقت المجزرة. كان يوسف قد أصرّ على أن ينام إلى جانبه.
يقول والده فايز ملكة في حديث خاص لـ"رايـــة": "أنا كنت طالع على الشارع، وما كنت راضي أخليه ينام عندي، لكنه أصرّ. قال لي بدي أنام في حضنك، وبالفعل نام في حضني".
لم يكن الأب يعرف أن تلك الليلة ستكون الأخيرة، وأن الحضن الذي طلبه يوسف سيكون آخر ذكرى تجمعهما.
في اليوم التالي، كان يوسف يلاحق والده أينما تحرك، "كل ما أتحرك كان يمشي وراي ويجري وراي"، يقول الأب.
كان يوسف يريد الذهاب للعب مع أبناء إخوته وعماته وأقاربه الذين كانوا حوله. قال لوالده: "يا بابا، بدي أروح ألعب مع الولاد".
حاول الأب أن يبقيه إلى جانبه، لكن يوسف أخبره أنه سيذهب ليصلي المغرب ثم يعود.
كان الطفل مواظبًا على الصلاة منذ صغره، وكان يحب أن يصلي مع جده.
ذهب يوسف مع جده، فيما بقي الأب يحمل في ذهنه تفاصيل اللحظات الأخيرة دون أن يعرف أنها الأخيرة فعلًا.
وبعدها جاءت المجزرة، قصف إسرائيلي استهدف مربع سكني كام في حي الزيتون شرق مدينة غزة، راح ضحيتها أكثر من 100 شهيد..
تحت الركام، اختفى يوسف مع عشرات أفراد العائلات التي كانت تسكن في حي الزيتون. بقيت جثامينهم 3 سنوات قبل أن تتمكن فرق الإنقاذ من انتشالها، ليخرجوا أخيرًا في موكب واحد، نحو مائة شهيد، معظمهم أطفال ونساء.
اليوم، وبينما تُوارى جثامين الشهداء في قبور جماعية، يستعيد الأب تفاصيل ابنه الصغير: اسمه الذي يقول إنه جاءه في المنام، حبه للصلاة، ركضه خلفه، وإصراره في تلك الليلة على النوم في حضنه".
ويقول بحرقة: «لو بعرف إنها آخر مرة، كان ضميته وما خليته يروح.. لكن أمر الله».
رحل يوسف، وبقي حضنه الأخير شاهدًا على طفل كان يريد فقط أن يبقى قريبًا من أبيه.



