الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:57 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:10 PM
المغرب 6:58 PM
العشاء 8:15 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

خوف لا يتوقف عند حدود القصف.. كيف فاقمت الحرب العنف الزوجي ضد نساء غزة؟

غزة
غزة

أروى عاشور- غزة:

في خيمة لا تتجاوز مساحتها ثلاثة أمتار، لا تجد سماهر راضي مساحة تبتعد إليها حين يبدأ زوجها بضربها، في حين يسمع أطفالها الصراخ، فيأتون مسرعين في بعض المرات، وأخرى يبقون خائفون بلا حيلة، فيما لا تجد خيارا أمامها سوى الهرب من الخيمة من شدة الضرب، فيما يتدخل أحد الجيران أحيانًا لوقف الاعتداء.

تعيش سماهر راضي، 32 عامًا، مع زوجها برفقة أطفالهما الثلاثة، بعدما نزحت من بيت لاهيا شمالي قطاع غزة نهاية ديسمبر/كانون الأول 2023، وقبل اندلاع الحرب الإسرائيلية على غزة، كان زوجها يعمل في المقاولات ويوفر مصدر دخل للأسرة، وكانت حياتهما، بحسب وصفها، بسيطة لكنها أكثر استقرارًا.

"لم تكن حياتنا مرفهة، لكنها كانت مستقرة نسبيًا؛ منزل يأوينا، وعمل يوفر احتياجاتنا الأساسية، ومساحة أستطيع فيها أن أبتعد عن الخلافات حين تشتد. قبل الحرب كان زوجي يعمل، ونعيش حياة بسيطة لكنها كانت مستقرة، الآن أصبحت أخاف حتى من طلب أبسط الأشياء لأطفالي"، تقول سماهر.

وتروي أن فقدان زوجها لعمله بعد الحرب، والعيش في خيمة ضيقة والنزوح عدة مرات، جعلا الخلافات اليومية أكثر حضورًا، حتى إن الطعام والماء أصبحا أحيانًا سببًا للاعتداء عليها.

وتضيف: "إذا عاد زوجي إلى الخيمة ولم يجد الطعام جاهزًا أو أوعية المياه ممتلئة، يبدأ بضربي ويرمي عليّ ما يجده أمامه، أحيانًا أطلب منه أشياء بسيطة لأطفالنا، فيغضب ويهينني ويهددني بإخراجي من الخيمة ويقول لي: إذا لم يعجبك الوضع، اذهبي إلى الشارع، لم أعد أعرف كيف أطلب شيئًا لأطفالي من دون أن أخاف من ردة فعله".

توضح سماهر أنها حاولت اللجوء إلى عائلتها والشكوى مما تتعرض له لكنها لم تجد لديها مخرجًا، أفراد أسرتها يعيشون هم أيضًا في ظروف اقتصادية صعبة، ويقيمون مع أقارب لهم في مساحة بالكاد تكفيهم، وتزيد: " أحيانًا أتمنى الموت بدلًا من هذه الحياة، لا أريد أن يراني أطفالي وأنا أُضرب وأُهان، لكن إلى أين أذهب؟".

لطيفة شتات: الضغط يفسر بعض السلوك ولا يبرر العنف

ترى الخبيرة النفسية لطيفة شتات أن الحرب أوجدت بيئة نفسية شديدة الضغط داخل الأسر، بفعل النزوح، وفقدان المنزل، وتعطل العمل، والبطالة، والاكتظاظ، وغياب الخصوصية، والخوف المستمر، والفقد والصدمات المتكررة.

وتشير إلى أن بعض الرجال قد يواجهون شعورًا حادًا بالعجز وفقدان السيطرة على حياتهم، خصوصًا بعد فقدان العمل والدور الاقتصادي الذي اعتادوا القيام به، وقد يتحول هذا الشعور لدى بعضهم إلى محاولة لفرض السيطرة داخل الأسرة.

لكن شتات تؤكد أن هذه الظروف لا تفسر العنف وحدها ولا تجعله حتميًا، كما لا يمكن أن تتحول إلى مبرر للاعتداء، وتقول: "يمكن أن نفسر السلوك لكن لا نبرر العنف، الحرب قد تفسر ارتفاع مستوى الغضب لكنها لا تبرر الضرب، والفقر قد يفسر التوتر، لكنه لا يبرر الإهانة أو التهديد".

كما تضيف أن المرأة المعنفة خلال الحرب تحتاج أولًا إلى من يصدق تجربتها ويمنحها مساحة آمنة للحديث ثم إلى مساعدة واقعية تراعي أنها قد لا تملك مأوى أو دخلًا أو قدرة على مغادرة المعتدي.

رندا قدادة: تعطل المؤسسات لا يسقط حق المرأة

من الناحية القانونية، ترى المحامية رندا قدادة أن ظروف الحرب لا تنقل مسؤولية الاعتداء من مرتكبه، كما أن القيود التي تطال عمل مؤسسات العدالة والحماية لا تلغي حق المرأة في الحماية أو التقاضي.

وتوضح أن الوصول إلى العدالة لا يعني وجود نص قانوني فقط، وإنما يتطلب منظومة تشمل الشرطة والنيابة والقضاء والمساعدة القانونية والخدمات الاجتماعية والمأوى الآمن، وتلفت إلى: "أن المرأة قد تتعرض للعنف ولا تبلغ عنه، ليس لأن العنف توقف، وإنما لأنها لا تعرف إلى أين تذهب، أو تخشى انتقام المعتدي، أو لا تملك مكانًا آمنًا تلجأ إليه بعد الشكوى، أو تخشى على أطفالها من نتائج الانفصال".

وانضمت دولة فلسطين إلى اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» في 2 أبريل/نيسان 2014، ودخلت الاتفاقية حيز النفاذ بالنسبة إليها في 2 مايو/أيار من العام نفسه، كما انضمت إلى البروتوكول الاختياري للاتفاقية في 10 أبريل/نيسان 2019، ودخل البروتوكول حيز النفاذ بالنسبة إليها في 10 يوليو/تموز 2019.

لكن الالتزام القانوني لا يعني بالضرورة سهولة الوصول إلى الحماية، خصوصًا عندما تعمل مؤسسات العدالة والخدمات في ظروف الحرب وبقدرات محدودة، وهنا تصبح المسافة بين الحق القانوني والقدرة الفعلية على الوصول إليه جزءًا أساسيًا من تجربة النساء اللواتي يتعرضن للعنف.

إسراء.. حين تصبح الحاجة إلى المأوى مدخلًا للاستغلال

قبل الحرب، كانت إسراء نعمان، 28 عامًا، تعيش مع زوجها الأول وأطفالها الأربعة حياة متواضعة حيث كان زوجها محمد يعمل ويوفر مصدر الدخل الأساسي، وكان للأسرة منزل يجمعها رغم الصعوبات الاقتصادية.

في بداية الحرب، قُتل زوجها، فتحولت إسراء إلى أرملة مسؤولة عن أربعة أطفال، بلا معيل أو مصدر دخل، ووسط هذه الهشاشة، تقول إسراء إن والد زوجها طلب تزويجها من نجله الثاني، شقيق زوجها المتوفى، وتبين: "وافقت تحت ضغط حاجتي إلى البقاء مع أطفالي وتأمين مأوى ورعاية لهم، رغم علمي بأن الزواج سيؤدي إلى انتقال وصاية الأطفال إلى جدهم".

لكن الزواج لم يمنحها الأمان الذي كانت تبحث عنه، تقول إسراء إن زوجها كان يشتمها باستمرار، ويتركها أيامًا دون أن يسأل عنها أو عن الأطفال، ومن دون مصروف أو تدبير لشؤون الأسرة، ثم طُلقت بحسب روايتها، فجأة ومن دون علمها.

تعيش اليوم على مساعدات شحيحة، واضطرت في إحدى المرات إلى الاحتماء مع أطفالها تحت إحدى الشاحنات، لأن عائلتها تعيش في ظروف اقتصادية قاسية مع أقارب بالكاد تتسع لهم المساحة.

الصدمة المتراكمة تسلب الإحساس بالسيطرة

تقرأ شتات تجربة إسراء بوصفها سلسلة متلاحقة من الخسارات: فقدان الزوج، ثم الاستقرار الاقتصادي، ثم الدخول في زواج تحت ضغط الحاجة، ثم التعرض للإهانة والإهمال، وصولًا إلى الطلاق وفقدان المأوى، وترى أن تراكم هذه التجارب يمكن أن ينعكس في صورة بكاء متكرر، واضطراب في النوم، وعزلة، وقلق، وشعور بالعجز وفقدان السيطرة على الحياة.

وتؤكد أن التعامل مع امرأة في هذه الظروف لا ينبغي أن يقوم على محاسبتها على قرار اتخذته وهي تواجه الخوف والحاجة، كما توضح: "لا يمكن أن نقول للمرأة ببساطة: اتركي العلاقة، بينما لا يوجد مكان تذهب إليه، ولا مصدر دخل تعتمد عليه، ولا حماية لأطفالها، المطلوب أن نساعدها على استعادة قدرتها على اتخاذ القرار، لا أن نزيد شعورها بالعجز".

وترى قدادة أن حالة إسراء تكشف جانبًا آخر من العنف، يتعلق باستغلال هشاشة المرأة الاقتصادية والاجتماعية وحاجتها إلى المأوى ورعاية أطفالها، فحين تصبح المرأة بلا دخل، وبلا منزل، ومسؤولة عن أطفال، فإن قدرتها على اتخاذ قرار مستقل تتقلص بصورة كبيرة.

رضا.. تعمل لتطعم طفلتها، فيُنتزع منها أجرها

لم تكن رضا الشامي 35 عاما، مضطرة للعمل قبل اندلاع الحرب على غزة، حيث كان يعمل زوجها في مهن بسيطة كعامل بدخل يومي، لكن الأوضاع الاقتصادية التي خلفتها الحرب دفعتها للعمل كعاملة نظافة في مراكز الإيواء لتوفير الحد الأدني من الاحتياجات لابنتها فرح "10 أعوام".

تقول رضا إن زوجها فرض سيطرته على أجرها وانتزع مستحقاتها لشراء السجائر، بينما كانت هي وطفلتها تبيتان جائعتين، وتستذكر إحدى المرات: " حين رفضت تسليمه المال اعتدى عليا بالضرب والشتائم أمام النازحين في مركز الإيواء، ثم هددني بحبسي داخل الخيمة ومنعي من الخروج إذا واصلت رفض إعطائه ما أكسب".

ولم يتوقف الأمر عند المال؛ تقول رضا إنه كان يهينها كلما حاولت المشاركة في أحد القرارات المتعلقة بحياتهما، ويحرمها من حرية التصرف في المال الذي تحصل عليه من عملها، تقول: "كنت أعمل فقط لأطعم طفلتي، وأشتري لها حاجياتها لكن المال الذي أتعب من أجله كان يُنتزع مني".

وترى شتات أن العنف داخل العلاقة الزوجية لا يظهر بالضرورة في صورة اعتداء جسدي فقط؛ فقد يتحول المال إلى وسيلة للهيمنة، حين تُحرم المرأة من التحكم في دخلها أو تُجبر على تسليمه تحت التهديد.

وفي حالة رضا، خرجت إلى العمل في ظروف الحرب من أجل إطعام طفلتها، ثم فقدت السيطرة على المورد الذي عملت للحصول عليه، وتؤكد أن التعامل مع الضغوط النفسية للزوج لا ينبغي أن يكون على حساب المرأة، وأن مسؤولية الرجل عن أزمته لا تتحول إلى حق في مصادرة مال زوجته أو إخضاعها للعنف.

وتؤكد قدادة أن السيطرة الاقتصادية عندما تقترن بالإجبار أو التهديد أو الاعتداء، تدخل ضمن نمط أوسع من السيطرة داخل العلاقة، مشددة على أن فقدان الزوج لعمله أو سوء الوضع الاقتصادي للأسرة لا يمنحه حق الاستيلاء على أجر زوجته أو إخضاعها للعنف.

أرقام تكشف ما يصل إلى الخدمات.. لا كل ما يحدث داخل الخيام

تأتي هذه الحالات في سياق أوسع ترصده الجهات العاملة في مجال الاستجابة للعنف القائم على النوع الاجتماعي في غزة.

وبحسب تحليل صندوق الأمم المتحدة للسكان "UNFPA" للحالات التي أُديرت خلال عام 2025، كان الشريك الحميم وأفراد الأسرة من أبرز فئات مرتكبي العنف عندما كان ارتباط المعتدي بالضحية معروفًا؛ إذ شكّل الشريك الحميم 38.2% وأفراد الأسرة 26.1% من هذه الحالات، أي 64.3% مجتمعين.

وهذه النسبة تخص الحالات التي وصلت إلى خدمات إدارة الحالات، وليست تقديرًا لانتشار العنف بين نساء غزة عمومًا.

وفي تحليل آخر للفترة بين يونيو/حزيران وأغسطس/آب 2025، كان الحرمان من الموارد والفرص والخدمات الشكل الأكثر تسجيلًا للعنف القائم على النوع الاجتماعي بنسبة 35.5%، يليه العنف النفسي بنسبة 29.8%، ثم الاعتداء الجسدي بنسبة 25.8%. كما أشار التقرير إلى أن الاعتداء الجسدي كان يُبلّغ عنه كثيرًا داخل العلاقات الزوجية.

أما تحليل UNFPA للفترة بين يناير/كانون الثاني ومارس/آذار 2026، فأظهر ارتفاع عدد الحالات المُبلّغ عنها بأكثر من 32% مقارنة بالفترة من أكتوبر/تشرين الأول إلى ديسمبر/كانون الأول 2025.

ويربط التقرير هذه الزيادة بارتفاع مستويات الضغط، وتدهور ظروف المعيشة، وعوامل أخرى، لكنه يشير أيضًا إلى أن زيادة التوعية والوصول المجتمعي إلى خدمات العنف القائم على النوع الاجتماعي أسهمت في وصول مزيد من الحالات إلى الخدمات. لذلك لا تعني زيادة الحالات المُبلّغ عنها بأكثر من 32% أن معدل انتشار العنف بين النساء ارتفع بالنسبة نفسها.

وفي الفترة نفسها، كان العنف النفسي والعاطفي، بنسبة 34%، والحرمان من الموارد والفرص والخدمات، بنسبة 32%، من أكثر أشكال العنف القائم على النوع الاجتماعي المُبلّغ عنها بين النساء اللواتي تتراوح أعمارهن بين 18 و59 عامًا.

ولا تعني هذه الأرقام أنها تمثل جميع النساء في قطاع غزة، إذ تعكس الحالات التي تمكنت من الوصول إلى خدمات إدارة الحالات. كما أن الخوف من الانتقام، والوصمة الاجتماعية، وضعف الوصول إلى الخدمات، ومحدودية أماكن الإبلاغ الآمنة، يمكن أن تمنع نساء أخريات من طلب المساعدة أو الإفصاح عما تعرضن له، وهكذا قد لا يعني غياب الشكوى غياب العنف، كما أن ارتفاع عدد الحالات المسجلة لا يعني بالضرورة ارتفاعًا مماثلًا في نسبة انتشار العنف.

وتؤكد لطيفة شتات أن المرأة في هذه الظروف تحتاج إلى منظومة تساعدها على النجاة، وتوضح: «نحن لا نتعامل مع امرأة تعيش عنفًا زوجيًا فقط، وإنما مع امرأة تعيش الحرب والنزوح والفقد والعنف في الوقت نفسه، لذلك يجب أن يكون التدخل واقعيًا، وأن يحترم ظروفها وقدرتها على اتخاذ القرار».

من جهتها، تبين رندا قدادة أن ضعف المؤسسات في زمن الحرب لا يعني سقوط الحق في الحماية، فالمرأة لا تفقد حقها في السلامة لأنها نازحة، ولا يصبح العنف شأنًا خاصًا بسبب محدودية قدرة المؤسسات على العمل.

ويكشف ما سبق الحاجة إلى تحرك يتجاوز الاستجابة الفردية للحالات نحو بناء منظومة متكاملة لحماية النساء من العنف الزوجي في قطاع غزة، توفر مسارات آمنة وسرية للإبلاغ، ومساعدة قانونية ودعمًا نفسيًا واجتماعيًا، وآليات حماية للنساء وأطفالهن، فغياب المأوى أو الدخل أو الخدمات لا ينبغي أن يدفع المرأة إلى البقاء مع المعتدي باعتباره خيارها الوحيد.

 

Loading...