الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 5:02 AM
الظهر 12:34 PM
العصر 4:05 PM
المغرب 6:49 PM
العشاء 8:05 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

معهد إدوارد سعيد في غزة

الفن في زمن الإبادة… ملاذٌ للإنسان وطريقٌ للنجاة!

الفن في زمن الإبادة… ملاذٌ للإنسان وطريقٌ للنجاة!
الفن في زمن الإبادة… ملاذٌ للإنسان وطريقٌ للنجاة!

غزة_ ملاك عودة

تحت شمس مخيم النصيرات للاجئين وسط قطاع غزة، تمضي ثريا عوض الله في طريقها إلى معهد إدوارد سعيد الجديد، بعد تدمير مقره السابق في مدينة غزة. الطريق أمامها ليست قصيرة، وحرارة الشمس تزيد من مشقتها، لكنها تواصل السير رغم التعب.

تردّدُ ثريا في ذاكرتها الأغنيات التي ستصدح بها مع باقي الفتيات في الجوقة الغنائية بالمعهد، وكلما اقتربت من المكان، اقترب معها الموعد الذي تنتظره بحماس، دقائقٌ تجلسُ فيها أمام العود، آلتها المفضلة.

ثريا، البالغة من العمر 16 عامًا، من مخيم المغازي وسط القطاع وتقيم اليوم في النصيرات بعد نزوحها القسري عن المخيم. تستعد هذا العام لامتحانات الثانوية العامة "التوجيهي" لكنها بين الدراسة والامتحانات تجد وقتًا للموهبة.

وفي أيام الحرب، حين غابت المدارس وكثير من الأشياء المعتادة التي يمكن أن ينشغل بها الأطفال والفتيان والفتيات، تجاوز الأمر الموهبة وتنميتها، وأصبحت الآلة بالنسبة لثريا وسيلة للترفيه وقضاء الوقت.

تقول ثريا: "العود غيرني كثيرًا، الآلة ترفّه عني"، وتتابع بعد لحظات من الصمت تفقّدت فيها أوتار العود الذي التقطته فور وصولها بلهفةٍ كبيرة: "كنت دائمًا أنظر إلى الفنانين والفنانات وأشعر أنهم من عالم ونحن من عالم آخر"؛ لكن المسافة بين العالمين بدأت تضيق مع اقترابها من المعهد وتعلّمها الموسيقى.

ولا يبقى ما تتعلمه ثريا بين جدران المعهد، ففي البيت تجلس عائلتها حولها وهي تعزفُ وتغني معها، يمسكُ والدها العود أحيانًا ويحاول العزف عليه، فيما تراقب شقيقاتها الصغيرات ما تفعله بفضول جميل. تقول ثريا: "أضافت الموسيقى بعض البهجة على أجواء البيت".

أنشطة في الخارج

ولم تصل أنشطة معهد إدوارد سعيد إلى الأطفال الذين يستطيعون الوصول إلى مقره فقط، فخلال الحرب، خرجت بعض هذه الأنشطة إلى أماكن النزوح، ووصلت إلى أطفال يعيشون يومهم في ظروف استثنائية من الخوف وفقدان الاستقرار والمأوى وشتى ملامح الحياة الآمنة.

رهف سليم، 12 عامًا، نزحت من منطقة جحر الديك جنوب شرق مدينة غزة إلى النصيرات، عرفت بالأنشطة التي ينفذها المعهد من خلال الأنشطة الترفيهية في مدرستها، ثم ما لبث أن انضمت إلى فريق الغناء الجماعي.

قبل الحرب، كان لرهف بيتها ومكانها الخاص؛ مساحة تجلس فيها وحدها وتفرّغ ما بداخلها. لكن النزوح القسري والحرب المدمرة أخذا منها البيت، ومعه المكان الذي اعتادت أن تلجأ إليه لتبحث عن هدوئها وسكينتها.

لم تعد رهف تجد المساحة التي تستطيع فيها أن تفعل شيئًا تحبه، إلى أن وجدت في المعهد مكانًا آخر تأتي إليه، لتستثمر وقتها في ممارسة الأنشطة، تغني، وتمنح نفسها وقتًا بعيدًا عن تفاصيل يومها المرهقة، وحين تُسأل عمّا يحدث لها عندما تصل إلى المعهد، تقول: "أشعر بالراحة بمجرد وصولي".

ولا ينتهي أثر المعهد عند الغناء والتدريب، إذ تصف رهف ما تشعر به خلال وجودها هناك بالقول: "تنسى نفسك، تنسي الدنيا، تنسي العالم"، كما ترى أن هذا النوع من الأنشطة بالمعهد غيّر علاقتها بمن حولها فبعدما كانت تميل إلى البقاء وحدها، أصبحت أكثر انفتاحًا، وتعرّفت إلى أطفال آخرين.

لكن ما تتمسك به رهف أكثر من أي شيء آخر، هو أنها وجدت في المعهد مكانًا تستطيع أن تكون فيه كما تريد. هنا تتذكر أن موعد لقاء الجوقة الموسيقية قد حان، فتهرول مسرعة لتنضم إلى المجموعة التي تستقبلها بترحاب كبير، قبل أن تبدأ مشرفة أنشطة الغناء الجماعي والكورال في معهد إدوارد سعيد عملها.

قبل الحرب، تركّز عمل شيرين على تدريب الأطفال على التقنيات الصوتية وإعداد الجوقات، لكن الحرب غيّرت ما يحتاجه الأطفال، وغيّرت معه طبيعة دورها: "تحول دوري من أستاذة تدرب على التقنيات الصوتية وإعداد الجوقات للمسارح، إلى مسؤولة عن إدارة مساحات للتعافي والدعم النفسي"، تقول شيرين زيدان.

مواساة متبادلة

وامتدت الأنشطة التي تشرف عليها من معهد إدوارد سعيد إلى مراكز الإيواء وأماكن النزوح وفي بعض الأيام لا يكون التدريب هو البداية، كما تشرح: "في لحظات كثيرة، عند اشتداد القصف يصبح الغناء الجماعي لتهدئة الخوف أهم بكثير من الالتزام بتدريبات النوتة أو الإيقاع".

كما لم تعد علاقة شيرين بالطلاب محصورة في الدرس، فكما تقول: "ذابت الحواجز الرسمية، العلاقة اليوم قائمة على التضامن الإنساني العميق والمواساة المتبادلة".

وامتد الغناء أيضًا إلى الصحفيات، من خلال جوقة تشارك فيها صحفيات يواصلن نقل ما يحدث تحت ضغط الحرب. وبين الأطفال والصحفيات، وجدت شيرين في استمرار الجوقات مساحة لمواصلة العمل، كما ترى: "رؤية الابتسامة على وجوه الأطفال في مراكز الإيواء، وسماع أصوات الجوقة وهي تتغلب على الخوف، يمنحاني طاقة أمل ومعنى حقيقيًا للتمسك بالحياة".

ماسا السريدي تركت عودها في منزلها حين نزحت، ثم عادت لتعرف أن الآلة التي رافقتها لسنوات لم تعد موجودة. أخبرها أهلها أن جيش الاحتلال الإسرائيلي أخذها، فلم يكن فقدان العود فقدان آلة موسيقية بقدر ما كان انقطاعًا عن عادة نبتت منذ الطفولة.

ماسا، 19 عامًا، من مخيم النصيرات، بدأت علاقتها بالموسيقى في العاشرة من عمرها، وكانت الموسيقى حاضرة في حياتها ومدرستها قبل التحاقها بمعهد إدوارد سعيد. لذلك، كان انقطاعها عنها خلال الحرب ثقيلًا عليها: "تأثير انقطاع الموسيقى عني لم يكن سهلاً؛ لأن كل حياتي كانت مرتبطة بها".

وبعد عامين من فقدان عودها، استطاعت ماسا أن تشتري عودًا جديدًا وعادت إلى الفن، فلم يؤدّ انقطاعها عن الموسيقى إلى الابتعاد عنها، بقدر ما زاد تعلقها بها، تقول: زاد حبي للفن بعد ما مررت به، وصرت متمسكة به أكثر من قبل".

وتمنح الموسيقى ماسا معنى يتجاوز التدريب والعزف فهي تراها وسيلة للتعبير عن الذات، في الحزن والفرح. تتابع حديثها: "أشعر أن الموسيقى وسيلة تفريغ سواء للحزن أو الفرح، إنه وسيلة للتعبير عن النفس"، وحين تتخيل الموسيقى في صورة إنسان تقول: "أنا ممتنة له جدًا لوجوده في حياتي".

ملاذي الوحيد

بعد أن انقطعت ماسا عن الموسيقى بفعل الحرب، لم يكن أستاذها بعيدًا عن التجربة نفسها، الدكتور إسماعيل داوود، المشرف الأكاديمي في معهد إدوارد سعيد وأستاذ العود والنظريات الموسيقية، ابتعد هو الآخر عن آلته لنحو ثمانية أشهر.

قبل الحرب، كان داوود يدرّس في المعهد العود والنظريات والمقامات والغناء وتاريخ الموسيقى العربية، لكن النزوح أخرجه من قاعة الدرس إلى مسؤوليات أخرى. نزح إلى مخيم النصيرات، في منطقة قريبة مما يدعى بمحور نتساريم، ثم انتقل إلى منطقة المواصي غرب مدينة خان يونس جنوبًا، وبالتالي: "أصبحت مهامي البحث عن المياه وتعبئتها وتوفير مستلزمات الحياة اليومية فقط"، كما يقول داوود.

وعن أول لحظة أمسك فيها آلة موسيقية بعد انقطاع يتحدث: "ذرفت عيني. نعم.. بكيت"، ثم يضيف: "شعرت أنني فقدت شيئا كبيرا جدًا، لم تكن تلك اللحظة مجرد عودة إلى العزف.

وفيما يرحّب بطلابه الذين جاءوا لمتابعة دروسهم يسترسل: "شعرت أن هذا جزء من الدعم النفسي لي أنا، ثم أعكسه على طلابي". حتى أنه مع عودته إلى العزف والغناء معهم، وجد أن الموسيقى تمنحه لحظات من الفرح والابتعاد عن أجواء الحرب.

كما لم تكن الموسيقى ملاذًا للطلاب وحدهم، فحين يذهب داوود إلى المعهد، يخرج من مسؤوليات البيت إلى مساحة أخرى، يجلس مع الأطفال، يعزف ويغني معهم، ويجد في التعليم نفسه ما يساعده على الاستمرار، "فالتعليم الموسيقي هو ملاذي الوحيد"، يقول مبتسمًا.

الإنسان أولاً

ابتعاد داوود عن الموسيقى خلال الحرب لم يكن سوى جزء من التغير الذي أصاب المعهد نفسه، إذ دمر الاحتلال الإسرائيلي المكان الذي كان يجمع الطلاب والمدرسين في حي تل الهوى بمدينة غزة قبل الحرب، وانتقلت الأنشطة إلى مساحات مؤقتة، قبل أن يستأنف المعهد عمله في مقر بديل في النصيرات، في أبريل 2026.

تأسس فرع معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى في غزة عام 2012، وفي أكتوبر 2023، تعرض المقر لقصف مدفعي مباشر أدى إلى تدميره بالكامل، وفقدان الآلات الموسيقية والأرشيف والمعدات التقنية التي راكمها المعهد خلال سنوات عمله. بعدها، فانتقل الكادر والطلاب إلى خيام النزوح ومراكز الإيواء، وبناء عليه استؤنفت الأنشطة الموسيقية والتعليمية تدريجيًا.

عن هذا يتحدث جبر ثابت، منسق دائرة الوسطى في معهد إدوارد سعيد الوطني للموسيقى: "إن الاستمرار خلال الحرب انطلق من محاولة الحفاظ على الإنسان أولًا، وعلى حق الأطفال في عيش لحظات طبيعية رغم الظروف المحيطة بهم".

ويكمل حديثه فيما يتفقد المعلمين والطلاب في غرف المقر الجديد: "عندما يغني طفل أو يعزف رغم الحرب فهو بشكل أو بآخر يتمسك بالحياة" ثم على وقع الأغنيات ترددها الجوقة في غرفةٍ مجاورة، يتابع: "الفن والتعليم أصبحا مساحة نتنفس بها ونخرج بها كل المشاعر المكبوتة التي بداخلنا".

ورغم أن المعهد خسر أماكن ومرافق وآلات ومساحات اعتاد الطلاب الاجتماع فيها، لكن ثابت يرى أن الخسارة الأكبر تمثلت في فقدان الإحساس بالأمان والاستقرار، لكن مع ذلك: "بقيت العلاقة بين المعهد والأطفال والموسيقى قائمة، حتى مع تغير المكان والظروف استطعنا أن نحافظ على الروح، روح المعهد وعلاقتنا بالأطفال وإيماننا بأن الموسيقى لها قوة كبيرة"، يتحدث ثابت.

مع الحرب.. تجاوزت الموسيقى داخل المعهد التعليم الفني فقط. أصبحت وسيلة لمساعدة الأطفال على التعبير عما يمرون به، من خوف أو ألم أو قلقٍ أو فقدانٍ للشعور بالأمان، أمرٌ يبدو أنه أصبح نهجًا زاهيًا في أكثر الظروف قتامةً وحدّة.

Loading...