خاص | بين غزة وإيران وأوروبا.. قراءة في إدارة ترامب لملفات الشرق الأوسط
قال المحلل السياسي وأستاذ العلاقات الدولية، الدكتور أيمن يوسف، إن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، بالتزامن مع القيود المفروضة على دخول معدات الدفاع المدني والإنقاذ إلى قطاع غزة، يثير تساؤلات سياسية وقانونية وأخلاقية بشأن الدور الأمريكي في الحرب، معتبراً أن واشنطن لا تزال تمنح إسرائيل مساحة واسعة لمواصلة عملياتها العسكرية.
وأضاف يوسف في حديث عبر شبكة رايـــة الإعلامية، أن المشهد في قطاع غزة يتطلب، وفق رؤيته، مراجعة دولية واضحة، خصوصاً في ظل الصعوبات التي تواجهها فرق الإنقاذ والدفاع المدني في الوصول إلى المدنيين المحاصرين تحت الأنقاض.
وتأتي هذه التصريحات في وقت وثقت فيه الأمم المتحدة مخاوف واسعة بشأن حماية المدنيين والعاملين في المجال الإنساني والطبي في غزة، فيما أكدت مصادر أممية أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع حماية المدنيين وتسهيل وصول الإغاثة الإنسانية.
معدات الإنقاذ تحت الأنقاض
وقال يوسف إن منع أو تأخير وصول معدات الإنقاذ والدفاع المدني إلى قطاع غزة يمثل إشكالية كبيرة، في ظل وجود أعداد كبيرة من المدنيين تحت أنقاض المباني التي دُمرت خلال العمليات العسكرية.
وأشار إلى تقارير وتصريحات صادرة عن جهات محلية في قطاع غزة تفيد بصعوبة انتشال جثامين ومصابين من تحت الأنقاض، معتبراً أن استمرار هذه الظروف يضع النظام الدولي أمام اختبار حقيقي في ما يتعلق بحماية المدنيين.
وأكدت الأمم المتحدة في تقاريرها أن العاملين في المجال الإنساني والطبي يتمتعون بحماية بموجب القانون الدولي الإنساني، كما شددت على ضرورة احترام وحماية العاملين في الإغاثة والطواقم الطبية والمنشآت الطبية.
القانون الدولي وتسهيل الإغاثة
وفي حديثه عن القانون الدولي، رأى يوسف أن المنظومة الدولية لم تتمكن حتى الآن من ممارسة ضغط كافٍ لضمان وصول معدات الإنقاذ والمساعدات إلى السكان المدنيين في غزة.
وتشير وثائق الأمم المتحدة إلى أن القانون الدولي الإنساني يفرض على أطراف النزاع السماح بمرور الإغاثة الإنسانية وتسهيلها بصورة سريعة ودون عوائق، مع مراعاة حق أطراف النزاع في الرقابة ضمن حدود محددة. كما خلصت محكمة العدل الدولية في رأيها الاستشاري بشأن التزامات إسرائيل إلى وجوب عدم إعاقة تقديم المساعدات والخدمات الأساسية للسكان في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل
ووصف يوسف الدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل بأنه أحد العوامل الأساسية التي تؤثر في مسار الحرب، معتبراً أن حجم ونوعية المساعدات العسكرية يجعلان الولايات المتحدة، في تقديره، طرفاً مؤثراً في استمرار العمليات العسكرية، وليس مجرد شريك سياسي أو دبلوماسي.
وتظهر وثائق رسمية أمريكية أن إدارة الرئيس دونالد ترامب أعلنت في فبراير/شباط 2025 عن مبيعات أسلحة لإسرائيل بقيمة إجمالية بلغت نحو 8.4 مليارات دولار، شملت ذخائر وأنظمة توجيه وقنابل وذخائر أخرى، كما أعلنت الإدارة في يناير/كانون الثاني 2025 رفع تجميد سابق عن تسليم 1800 قنبلة من طراز MK-84 زنة ألفي رطل لإسرائيل.
وأشار يوسف إلى أن هذه التطورات تعزز، من وجهة نظره، التساؤلات بشأن طبيعة الدور الأمريكي في الحرب، خصوصاً مع استمرار العمليات العسكرية وتدهور الوضع الإنساني.
واشنطن وإدارة ملفات المنطقة
وقال يوسف إن الولايات المتحدة تنظر إلى منطقة الشرق الأوسط باعتبارها حزمة مترابطة من الملفات والمصالح، مشيراً إلى أن أمن إسرائيل وتفوقها يمثلان، بحسب تقديره، أولوية أساسية في السياسة الأمريكية تجاه المنطقة.
وأضاف أن تراجع الاعتماد الأمريكي على مصادر الطاقة في الشرق الأوسط مقارنة بمراحل سابقة أدى، في رأيه، إلى تغير بعض الحسابات الاستراتيجية والاقتصادية الأمريكية تجاه المنطقة.
ورأى أن واشنطن تعمل على إدارة مجموعة من الملفات الإقليمية بصورة متزامنة، بما في ذلك الملف الإيراني والحرب في غزة والضفة الغربية وملفات أمنية أخرى، معتبراً أن هذا النهج يعكس اعتماداً أكبر على المقايضات والترتيبات السياسية بين الملفات المختلفة.
«مقايضة» بين الملفات الإقليمية
وتحدث يوسف عن ما وصفه باستراتيجية تقوم على ترتيب الأولويات والمقايضات بين الملفات، قائلاً إن الولايات المتحدة قد تتولى مساحة أكبر في إدارة الملف الإيراني، مقابل منح إسرائيل هامشاً أوسع في ملفات أخرى، بحسب تقديره.
وشدد على أن هذه الرؤية تبقى في إطار التحليل السياسي، مشيراً إلى أن طبيعة التنسيق الأمريكي الإسرائيلي في الملفات الإقليمية تظهر، وفق قراءته، بصورة مباشرة أو غير مباشرة في التحركات السياسية والدبلوماسية.
وأضاف أن تصريحات الإدارة الأمريكية، وخصوصاً الرئيس ترامب، تعكس اهتماماً كبيراً بالشرق الأوسط، وأن إسرائيل تحتل موقعاً مركزياً في هذه السياسة.
العلاقة الأمريكية الأوروبية أمام اختبار جديد
وحول العلاقة بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، قال يوسف إن الخلافات بشأن الحرب على غزة والدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل قد تؤدي إلى توترات سياسية، لكنها لا تعني بالضرورة حدوث قطيعة في العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
وأشار إلى وجود إشكاليات متزايدة في علاقات واشنطن مع عدد من حلفائها الأوروبيين والعرب، لافتاً إلى تحركات إقليمية ودولية جديدة، من بينها تقارب سعودي مع باكستان وتركيا، إلى جانب بحث أوروبا عن خيارات مستقلة في ملفات الطاقة والأمن والحرب الروسية الأوكرانية.
وقال إن هذه التطورات قد تكون مؤشراً، بحسب تحليله، على دخول النظام الدولي مرحلة أكثر تعدداً في مراكز القوة، في ظل خلافات متزايدة بين الولايات المتحدة وبعض حلفائها.
انتقادات أوروبية وعربية للدعم العسكري
واعتبر يوسف أن استمرار الدعم الأمريكي لإسرائيل، رغم الانتقادات المتزايدة في عدد من الدول، يكشف عن وجود فجوة بين المواقف السياسية المعلنة والإجراءات العملية.
وأكد أن هذه الخلافات لا تزال، وفق تقديره، غير كافية لتغيير طبيعة العلاقة البنيوية بين الولايات المتحدة وإسرائيل، لكنه رأى أنها تعكس ضغوطاً متزايدة على السياسة الأمريكية تجاه الحرب.
وفي هذا السياق، أظهرت وثائق الكونغرس الأمريكي خلال 2025 وجود نقاشات حادة داخل الولايات المتحدة حول مبيعات الأسلحة لإسرائيل، بما في ذلك محاولات تشريعية لوقف بعض صفقات الأسلحة، وهو ما يعكس وجود انقسام سياسي أمريكي بشأن حجم ونوع الدعم العسكري المقدم لإسرائيل.
غزة أمام أزمة إنسانية متفاقمة
وحذر يوسف من أن استمرار العمليات العسكرية والدمار الواسع يفاقمان الأزمة الإنسانية في القطاع، خصوصاً بالنسبة للسكان الذين يحاولون العودة إلى مناطق تعرضت للقصف أو إلى مبانٍ متضررة وغير صالحة للسكن.
وكانت الأمم المتحدة قد حذرت في سبتمبر/أيلول 2025 من تدمير واسع للبنية المدنية في مدينة غزة، ومن استمرار استهداف مناطق سكنية ومبانٍ متعددة الطوابق ومرافق مدنية، في وقت كانت فيه أعداد كبيرة من السكان تواجه أوامر نزوح وظروفاً إنسانية شديدة الصعوبة.
كما وثقت الأمم المتحدة في تقاريرها مقتل وإصابة عاملين في الدفاع المدني والهلال الأحمر أثناء أداء مهامهم، بما في ذلك حادثة العثور على عدد من أفراد الدفاع المدني والهلال الأحمر في مقبرة جماعية في رفح بعد عمليات بحث استمرت أياماً.
هل يتحول الخلاف إلى أزمة بين واشنطن وأوروبا؟
وفي رده على سؤال بشأن إمكانية تحول الخلافات حول الحرب والدعم العسكري الأمريكي لإسرائيل إلى أزمة سياسية حقيقية بين واشنطن وحلفائها الأوروبيين، قال يوسف إن الخلافات موجودة بالفعل، لكنها لن تكون، وفق تقديره، كافية في المدى المنظور لتفكيك العلاقة الاستراتيجية بين الولايات المتحدة وإسرائيل.
ورأى أن المرحلة الحالية قد تعكس تحولاً في شكل النظام الدولي، مع تصاعد الخلافات بين القوى الكبرى وتزايد سعي بعض الدول إلى بناء ترتيبات وتحالفات أكثر استقلالاً عن واشنطن.
وختم يوسف بالقول إن استمرار الحرب في غزة، إلى جانب التطورات في الضفة الغربية وملفات المنطقة الأخرى، يجعل السياسة الأمريكية تجاه الشرق الأوسط محوراً رئيسياً في إعادة تشكيل التوازنات الإقليمية والدولية، بينما تبقى حماية المدنيين ووصول المساعدات وفرق الإنقاذ من أبرز الاختبارات المطروحة أمام المجتمع الدولي.



