غرزة تحكي حكاية.. هل يصمد التطريز الفلسطيني أمام تحديات العصر؟
إعداد: نور عطية – خربثا المصباح
ليست كل غرزةٍ على الثوب الفلسطيني مجرد زينة؛ فبعضها يحمل حكاية قرية، وبعضها يعكس تقاليد منطقة، فيما تحوّلت النقوش والألوان عبر مراحل مختلفة إلى تعبيرٍ أصيل عن الهوية الوطنية الفلسطينية.
ولكن، خلف هذه الحكاية التراثية الملهمة، تبرز تحديات جمّة تتعلق بمستقبل الحرفة، وقدرة النساء على مواصلتها، وضمان انتقال مهاراتها إلى الأجيال الجديدة.
اعتراف دولي ومصدر رزق
يحظى التطريز الفلسطيني باعتراف دولي رفيع، بعدما أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) عام 2021 على القائمة التمثيلية للتراث الثقافي غير المادي للبشرية، بوصفه ممارسةً تشمل المعارف والمهارات والطقوس الاجتماعية المرتبطة به.
ولا تقتصر أهمية التطريز على قيمته التراثية؛ إذ يشكّل مصدر دخلٍ أساسي لنساء فلسطينيات ينتجن قطعًا مطرزة بصورة فردية أو ضمن جمعيات ومجموعات نسوية.
وفي حين تنتقل مهاراته تقليديًا من الأمهات إلى البنات، تبرز أهمية الدورات التدريبية المكملة، والتي تتيح تعلّم تقنياتها وتضمن الحفاظ على النقوش التقليدية التي تميّز المناطق الفلسطينية المختلفة.

تحديات السوق والمنافسة
على صعيدٍ آخر، تواجه الحرفة تحديات اقتصادية معقّدة مع تحوّل التطريز من ممارسة منزلية إلى منتج متداول في الأسواق.
وقد ناقش المتحف الفلسطيني هذه التحولات، بما فيها المنافسة الشديدة مع المطرزات الآلية المستوردة، والفرق الشاسع بين القطع المصنوعة يدويًا والمنتجات التجارية التي تُنتج بكميات كبيرة.
ويطرح ذلك سؤالًا ملحًا حول قدرة الحرفيات على الحصول على عائدٍ مالي يتناسب مع ساعات العمل والمهارة العالية التي تتطلبها كل قطعة، دون أن يفقد التطريز قيمته بوصفه حرفة متوارثة.

"أثواب الانتفاضة".. الغرزة أدوات للمقاومة
وإلى جانب الأبعاد الاقتصادية، يحتل التطريز موقعًا مفصليًا في التعبير عن الهوية الفلسطينية ومقاومة محاولات طمسها. وخلال الانتفاضة الفلسطينية الأولى عام 1987، ظهرت "أثواب الانتفاضة" التي حملت ألوان العلم الفلسطيني ورموزه الوطنية، لتلتف الحرفيات بذلك على القيود والممارسات الصارمة التي فرضها الاحتلال على إظهار العلم والألوان الوطنية في الأماكن العامة. وهكذا، تحوّلت الغرزة من حرفة زينة إلى وسيلة نضالية للتعبير عن الانتماء والمشاركة في المقاومة.
مسؤولية تتجاوز الاحتفاء
ولا يتحقق الحفاظ على التطريز بالاعتراف الدولي وحده؛ إذ يتطلب استمرار تعليم تقنياته وتوثيق نقوشه التقليدية، إلى جانب توفير فرص اقتصادية تمكّن النساء من مواصلة العمل فيه.
وبين الاعتراف الدولي الصريح بالتطريز الفلسطيني والصعوبات التي تواجه العاملات فيه، تبقى استدامة هذه الحرفة مسؤولية جماعية تتجاوز حدود الاحتفاء بالثوب التقليدي في المناسبات والمعارض.

ويحتاج ذلك إلى استراتيجية لنقل المهارات، ودعم النساء اللواتي يمارسنها، وتعزيز فرص تسويق المنتجات اليدوية، وزيادة وعي المستهلك بالقيمة الفنية والثقافية التي يحملها كل عمل مطرز.
ويبقى السؤال قائمًا: هل يكفي الاعتراف بالتطريز الفلسطيني بوصفه تراثًا إنسانيًا لحمايته، أم أن صموده يحتاج إلى خطوات عملية جادة تضمن أن تواصل الأجيال القادمة نسج حكاياتها غرزةً بعد أخرى؟


