الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 3:58 AM
الظهر 12:37 PM
العصر 4:17 PM
المغرب 7:45 PM
العشاء 9:15 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

تَرَمب يَسعى من خِلال الإنْجيلِيّين لصَنْع نِظام عالَميّ أَساسُه الأَمْرَكَة

الكاتب: د. محمد عودة

ليست المؤسسات العابرة للحدود مجرد كيانات دينية أو سياسية أو ثقافية، بل هي بنى تاريخية معقدة تشكلت عبر الزمن من تكامل بين المعلومة والتنظيم والشرعية الرمزية. هذه العناصر الثلاثة تمنح المؤسسة العابرة للقارات، بنوعيها: المركزي والمتشعب، قدرة استثنائية على الاستمرار والتأثير في بيئات مختلفة ومتباعدة. تقوم المتشعبة على تحالفات عابرة للقارات والتقاء مصالح، أما النوع المركزي فهو النوع الذي يعتمد على قواه الذاتية وشبكات عملاء يصنعها في الخارج. ومن خلال تتبع نماذج تاريخية مثل الكنيسة الكاثوليكية، يمكن فهم كيف تتطور هذه البنى، وكيف تتغير أدوات نفوذها من مرحلة إلى أخرى، وصولًا إلى أنماط الهيمنة بكل أشكالها في العالم الحديث، بما في ذلك التحولات التي رافقت صعود الدولة القومية وإعادة توزيع مصادر الشرعية، كما هو حال (الصهيونية المسيحية) بقيادة ترامب (للعلم ليس هناك مسيحي حقيقي يؤيد سياسات ترامب).

في هذا السياق، لا يمكن فهم المعلومة بوصفها مجرد بيانات أو تسجيلات، بل إن مركزتها تؤدي إلى عملية إدراك للعالم وإعادة تنظيم له. فالمعلومة داخل المؤسسة العابرة للحدود بنوعيها تعمل على مستويين: مستوى فهم البيئة الاجتماعية والسياسية، ومستوى تشكيل تصور داخلي عن هذه البيئة يساعد على اتخاذ القرار. لذلك فهي ليست بالضرورة أرشفة للأفراد أو نظام مراقبة تفصيلي، بل هي بالأساس معرفة سياقية تُبنى عبر شبكات بشرية ممتدة، وتُعاد صياغتها باستمرار وفق احتياجات تلك المؤسسة.

أما التنظيم، فهو العنصر الذي يحول هذه المعرفة إلى قدرة على الاستمرار. فبدل أن تكون المؤسسة المتشعبة قائمة على مركز واحد يفرض سلطته بشكل مباشر، تتشكل عادة من شبكة متعددة المستويات؛ يكون لها مركز رمزي، وهياكل وسيطة، ووحدات محلية. هذا الشكل الشبكي يسمح بمرونة عالية، إذ يمكن للمؤسسة أن تبقى ثابتة في هويتها العامة، ومتغيرة في تكيفها المحلي. ومن هنا تنشأ قوة المؤسسات العابرة للحدود: قدرتها على الجمع بين وحدة الخطاب وتعدد التطبيق.

أما الشكل المركزي الذي يعتمد على مؤسسة عابرة للقارات عبر قواها الذاتية وشبكة عملائها في آفاق الأرض، وهو الشكل الذي يتبناه ترامب في سياسته الحالية، فهو يسعى إلى إلغاء الحلفاء وتفكيكهم والاستعاضة عنهم بجهد قواه الذاتية، كما حصل في فنزويلا. ويُستثنى من الحلفاء الحليف الصهيوني الذي تستخدمه العقيدة الإنجيليّة المحرفة (المسيحية الصهيونية) لبناء النظام العالمي الجديد.

وعند النظر إلى التجربة التاريخية للكنيسة الكاثوليكية التي هيمنت على العالم الغربي ما قبل ثورة البروتستانت، يظهر هذا النموذج بشكل واضح. ففي عهد إنوسنت الثالث (1198–1216)، بلغت البابوية ذروة نفوذها في أوروبا، حيث لم تعد مجرد سلطة دينية، بل أصبحت لاعبًا سياسيًا قادرًا على التأثير في الممالك الأوروبية وتوجيه الصراعات بينها، مع تعزيز مركزية روما كمرجعية رمزية عليا تتجاوز الحدود السياسية. في هذه المرحلة، تبلور مفهوم السلطة الكنسية كسلطة عابرة للحدود بالمعنى الكامل.

أما إنوسنت الرابع (1243–1254)، فقد شهد عهده تحولًا في أدوات السلطة، حيث تم تعزيز البنية القانونية الكنسية، وتوسيع دور محاكم التفتيش في مواجهة ما اعتُبر انحرافات عقائدية. لكن الأهم من ذلك هو انتقال المؤسسة من مجرد سلطة رمزية إلى جهاز أكثر تنظيمًا في إدارة المجال العقائدي والاجتماعي، ما يعكس تطورًا في أدوات الضبط وليس فقط في نطاق النفوذ.

وفي عهد إنوسنت الخامس (1276)، رغم قصر فترة حكمه، استمرت عملية ترسيخ البنية المؤسسية التي أصبحت أكثر رسوخًا وأقل اعتمادًا على الأفراد، وأكثر ارتباطًا بالهيكل العام للكنيسة. هذا يعكس انتقال السلطة من الأشخاص إلى المؤسسة، وهو تحول أساسي في تاريخ أي بنية عابرة للحدود.

أما إنوسنت الثامن (1484–1492)، فقد جاء في مرحلة أكثر تعقيدًا، حيث بدأت أوروبا تدخل في تحولات فكرية واجتماعية عميقة. في هذا السياق ارتبط اسمه بتصاعد الاهتمام بظواهر مثل “السحر” كتهديد ديني واجتماعي، وبمنح صلاحيات أوسع لمحاكم التفتيش، في محاولة لإعادة ضبط المجال العقائدي في لحظة تاريخية كانت تميل نحو التفكك التدريجي للسلطة الدينية الموحدة.

لكن هذا النموذج لم يستمر دون تحديات. فمع الانقسام بين الشرق والغرب في القرن الحادي عشر، بدأ مفهوم “المركز الديني الواحد” يتآكل. ثم جاء الإصلاح البروتستانتي في القرن السادس عشر ليعمّق هذا التحول بشكل جذري، حيث انقسمت أوروبا الغربية إلى طوائف وكنائس متعددة، ما أدى إلى كسر الاحتكار الديني للسلطة الكنسية. ومن بين هذه التيارات برز التيار الإنجيلي (Evangelicalism)، الذي يقوم على القراءة الحرفية للنصوص الدينية ويركز على الهوية والقيم الاجتماعية، وتحول لاحقًا، خصوصًا في الولايات المتحدة، إلى قاعدة اجتماعية وسياسية مؤثرة تعمل كشبكة تعبئة داخل النظام السياسي الحديث.

وفي موازاة ذلك، بدأت الدولة الحديثة بإعادة تعريف العلاقة بين الدين والسياسة، فلم يعد النفوذ الديني متمركزًا في مؤسسة واحدة عابرة للحدود، بل أصبح موزعًا بين تيارات اجتماعية ومؤسسات سياسية وقانونية وإعلامية. هذا التحول أدى إلى إعادة توزيع مصادر الشرعية، بحيث أصبحت الدولة القومية هي الإطار المركزي الجديد بدل المؤسسة الدينية العابرة للحدود.

وفي هذا الإطار، يمكن قراءة بعض التحولات السياسية المعاصرة، ومنها حالة دونالد ترامب، باعتبارها جزءًا من هذا التحول في بنية النفوذ داخل الدولة الحديثة. فبدل الاعتماد على مؤسسات دولية أو أطر عابرة للحدود، يتم التركيز على تعزيز السيادة الوطنية وتوظيف القاعدة الاجتماعية المحافظة، وخصوصًا التيار الإنجيلي، كأداة تعبئة سياسية داخلية. هنا لا يظهر الأمر كإعادة إنتاج لمؤسسة عابرة للقارات، بل كإعادة توزيع للسلطة داخل الدولة نفسها عبر تحالفات داخلية بين السياسة والهوية والمجتمع، يؤدي بين أشياء أخرى إلى تفكيك النظام السابق الذي اعتمد على التحالفات والاستعاضة عنه بنظام يقوم على ذاته وعملائه.

وفي الخاتمة، يمكن القول إن المؤسسات العابرة للحدود، سواء في شكلها التاريخي مثل الكنيسة الكاثوليكية أو في أشكالها الحديثة الأكثر تشتتًا، تقوم دائمًا على التوازن بين المعلومة والتنظيم والرمزية، لكن هذا التوازن لا يبقى ثابتًا، بل يُعاد تشكيله باستمرار وفق التحولات السياسية والاجتماعية والفكرية. وما يتغير عبر الزمن ليس منطق التأثير نفسه، بل الأدوات التي يستخدمها: من مؤسسة مركزية واحدة إلى شبكة متعددة المراكز داخل عالم أكثر تعقيدًا وتداخلًا. كان ذلك ما سمي في فترة ما قبل ترامب بنظام العولمة، أما ترامب اليوم، وعبر الممارسة، يريد العودة إلى الأمركة كأساس للنظام العالمي. لقد ظهر هذا جليًا في سياسات ترامب وتوجهاته: ضم كندا وجزءًا من المكسيك، الاستيلاء على غرينلاند، الهيمنة على قناة بنما، السيطرة على نفط فنزويلا واختطاف مادورو، تهديد كوبا بالاجتياح والحرب على إيران، وكلها لا تحظى بموافقة الحلفاء إذا ما استثنينا إسرائيل التي تعتبر أحد المبررات العقائدية لسياسة ترامب (تسريع قدوم السيد المسيح).

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...