الطقس
Loading...
أوقات الصلاة
الفجر 4:45 AM
الظهر 12:41 PM
العصر 4:18 PM
المغرب 7:16 PM
العشاء 8:35 PM
العملات
Loading...
ترددات البث
جنوب فلسطين FM 96.8
أريحا و الأغوار FM 96.8
وسط فلسطين FM 98.3
جنين و الخليل FM 98.3
شمال فلسطين FM 96.4

إسرائيل لا تحتل فلسطين فقط… بل تحتل مساحة من العالم

الكاتب: بسام زكارنة

في قلنديا حدث ما يجب ألا يمرّ كخبر عابر اقتحمت قوات الاحتلال وسيطرت على منشأة تابعة لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» وهي مؤسسة تابعة للأمم المتحدة فيما يرفرف فوقها علم المنظمة الدولية.

تخيلوا المفارقة: قوة احتلال تقتحم مؤسسة تابعة للأمم المتحدة ومجلس الأمن الذي يفترض أن يحمي القانون الدولي لا يفعل أكثر من إصدار بيانات الشجب والقلق هنا يبدأ السؤال الحقيقي: إذا كان الاحتلال يستطيع انتهاك منشأة تحمل علم الأمم المتحدة دون أن يواجه فعلا دوليا رادعا فمن يحمي القانون الدولي؟ من هذه النقطة تحديدا يمكن فهم عبارة قد تبدو صادمة: إسرائيل لا تحتل فلسطين فقط… بل تحتل مساحة من العالم.

ليست المسألة أن إسرائيل قادرة على احتلال العالم عسكريا فهذا غير صحيح لكنها استطاعت عبر تحالفاتها ونفوذها وشبكة مصالحها أن تصل إلى وضع يستطيع فيه العالم رؤية الجريمة وإدانتها ثم يعجز عن وقفها.

وهذه هي المفارقة الأخطر: إسرائيل ليست أقوى من العالم لكن العالم لا يستخدم قوته عندما يتعلق الأمر بها .

فمأساة فلسطين لم تبدأ في السابع من أكتوبر 2023 فمنذ النكبة عام 1948 ارتُكبت المجازر وهُجّر الفلسطينيون من أرضهم ودُمّرت القرى وصودرت الأراضي والممتلكات فيما كانت المؤسسات الدولية وفي مقدمتها وكالة غوث وتشغيل اللاجئين الفلسطينيين «الأونروا» شاهدا حيا على تلك المأساة ولا تزال منذ عام 1948 تقدم خدماتها للاجئين الفلسطينيين الذين شُرّدوا من وطنهم حيث دمرت اسرائيل مدنهم وقراهم واليوم تريد حكومة نتنياهو تدمير هذا الشاهد وشطبه في محاولة لطمس قضية اللاجئين وقطع الصلة بين النكبة وواقع الفلسطينيين المستمر حتى اليوم وفي ظل استمرار الاحتلال والاستيطان والاعتقال والحصار لعقود بقي العالم يراقب ويكتفي في كثير من الأحيان ببيانات الشجب والإدانة دون إجراءات قادرة على وقف هذه الانتهاكات أو محاسبة مرتكبيها.

ثم جاءت الحروب على  غزة لتكشف حجم المأساة بأبشع صورها: قتل عشرات الآلاف بينهم أكثر من عشرين ألف طفل واستهداف الصحفيين وتدمير المستشفيات والمدارس والأحياء السكنية وتهجير السكان وتجويع شعب بأكمله.

ومع ذلك ما زال الخطاب الإسرائيلي يركز على قتلى السابع من أكتوبر وعلى جنوده ومدنييه وكأن الدم الفلسطيني لا يملك القيمة الإنسانية نفسها.

لا أحد يقبل قتل المدنيين والأطفال والنساء من أي طرف في العالم ولا يمكن تبرير استهدافهم تحت أي ذريعة لكن السؤال يبقى: لماذا يتحول قتل الإسرائيلي و الأمريكي إلى مبرر لحرب مفتوحة بينما يتحول قتل الفلسطيني إلى رقم؟ ولماذا يُطلب من الفلسطيني أن ينزع سلاحه بينما لا يُطلب من إسرائيل أن تتخلى عن آلة الحرب والقتل والاحتلال والاستيطان؟ ولماذا يُطلب ممن يدافع عن أرضه أن يتخلى عن أدوات مقاومته بينما لا تقدم إسرائيل مشروعا لسلام عادل ينهي الاحتلال ويمنح الفلسطيني حريته ودولته وكرامته؟ أين مشروع السلام العادل؟.

ثم نصل إلى أمريكا فعندما تريد واشنطن الضغط على دولة فإنها تستطيع فرضت عقوبات واسعة على روسيا بعد غزو أوكرانيا وفرضت حصارا  وعقوبات على إيران واستخدمت قوتها الاقتصادية والمالية والتكنولوجية للضغط على الصين في ملفات متعددة وفي العراق استخدمت الولايات المتحدة ملف أسلحة الدمار الشامل وانتهاكات نظام صدام حسين ضمن مبررات حرب 2003 رغم أن الادعاءات المتعلقة بأسلحة الدمار الشامل ثبت لاحقا أنها خاطئة إذن أمريكا تستطيع أن تضغط وتحاصر وتعاقب بل وتذهب إلى الحرب وتغيير الأنظمة عندما تتوافر الإرادة السياسية فكيف تصبح عاجزة أمام إسرائيل؟

المشكلة ليست في القدرة… بل في الإرادة.

والأكثر دلالة أن الأمر لم يتوقف عند الحماية السياسية لإسرائيل عندما تحركت المحكمة الجنائية الدولية في قضايا مرتبطة بإسرائيل فرضت إدارة ترامب عقوبات على المحكمة ومسؤولين وقضاة فيها أي أن الدولة التي تتحدث عن النظام الدولي عاقبت مؤسسة قضائية دولية عندما اقتربت من مساءلة حليفها.

وهنا يصبح السؤال أكبر من إسرائيل إنه سؤال عن النظام الدولي كله.

أما أوروبا فهي تحمل عبئا تاريخيا هائلا بسبب جرائمها بحق اليهود وعلى رأسها المحرقة لكن مسؤولية أوروبا عن جرائم الماضي لا يمكن أن تتحول إلى صمت عن جرائم الحاضر الفلسطيني لم يرتكب المحرقة… فلماذا يدفع ثمنها؟.

والعرب أيضا ليسوا بلا أوراق لديهم النفط والمال والأسواق والموقع والعلاقات الدولية لكنهم لم يحولوا هذه الأوراق إلى قوة سياسية جماعية تفرض ثمنا حقيقيا على الاحتلال.

وفي المقابل هناك عالم يتغير الصين وروسيا ودول كثيرة في آسيا وأفريقيا وأمريكا اللاتينية تتمسك بالتعددية الدولية ورفض الهيمنة الأحادية وبضرورة احترام القانون الدولي وفلسطين بحاجة إلى هذا العالم المتعدد الأقطاب ليس بحثا عن محور بديل وإنما بحثا عن ميزان دولي لا يستطيع طرف واحد احتكار تعريف العدالة والقانون.

في النهاية إسرائيل لا تخاف من بيانات الشجب ما تخشاه هو أن يتحول القانون إلى فعل وأن يصبح الاحتلال مكلفا وأن تصبح الجرائم بلا حصانة لذلك فإن السؤال ليس: هل يستطيع العالم وقف إسرائيل؟

نعم يستطيع السؤال الحقيقي: هل يقدر ؟.

إسرائيل ليست أقوى من العالم لكنها نجحت حتى الآن في جعل العالم عندما يتعلق الأمر بها يبدو أضعف بل عاجزا عن تطبيق القانون.

ولهذا ربما تكون العبارة الأدق: إسرائيل تحتل فلسطين… والعالم يسمح لها بأن تحتل مساحة من قراره وقانونه وضميره خصوصا عندما يتعلق الأمر بجرائمها فإذا سقط القانون في فلسطين فلن يبقى سقوطه في فلسطين.

وحين يصبح علم الأمم المتحدة عاجزا عن حماية منشأة الأمم المتحدة يصبح السؤال الذي يجب أن يواجه العالم كله: من يحمي العالم عندما يصبح القانون نفسه بلا حماية؟.

هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
Loading...