حياتنا - يا وحدنا
الكاتب: حافظ البرغوثي
رايه نيوز: يتفرق الاصدقاء عند باب مقهى رام الله مساء وسط هبوب رياح السموم الشرقية التي تؤرجح معاطفهم.. كانوا في زاوية يتعاطون النميمة الثقافية الممزقة.. يستذكرون زملاء رحلوا.. ويأتي صوت الاديب العجوز موسى الصرداوي عبر الجوال مريضا من السويد فيطمئنون عليه ويبشرهم بأنه عائد نهائيا في الصيف المقبل بعد ان انتهى من بناء منزله في مسقط رأسه صردا.. فيتساءلون وهل يصمد حتى الصيف؟ تفرقوا في اتجاهات شتى.. لم يكن وضاح زقطان منهم فهو لم يظهر هذا المساء في المقهى ظل حبيس فراشه وذلك القاص سيلازم الكمبيوتر يثرثر عن اوجاع الآخرين التي التقطها بقلمه من مدرسته او من الشارع.. وهذا الكسول سيبحث عن مقهى ثان وثالث وثامن الى ان يستهلك كل المقاهي قبل الفجر فينزوي في غرفته المطلة على مخيم قدورة وينام دون ان يخلع حذاءه.. وذلك الكاتب المخضرم الذي يسمع العالم بعينيه بعد تعطل اذنيه لا يكف عن القراءة طيلة النهار والليل.. ثلاثة مثقفين وحيدون ورابعهم خائف في ليل عاصف كريه بلا رطوبة مطر وبلا رطوبة انثوية..
قحط خريفي يخيم على المدينة والنفوس.. كانوا يجادلون في المستقبل.. وماذا بعد الانتخابات الاميركية.. وهل ثمة انفراج.. وماذا عن خلافات مركزية فتح.. لا اجابات، فالمثقف عندما يتعاطى السياسة يستعرض الماضي ويستنتج أن لا جديد في الافق بعد قرن.. يريح نفسه من فلسفة السياسة.. عم يتخالفون في مركزيتهم يقول قائل؟ عن التفاوض؟ وهل ثمة تفاوض نختلف عليه؟ ربما حول المصالحة، وهل هناك مصالحة ممكنة حتى نختلف عليها؟
يفتح احدهم ديوان شعر مترجم عن البلغارية فتقع عيناه على فقرة تقول:
من غيرنا يشفق علينا
ولو مرة واحدة؟
يتفكرون في العبارة الشعرية المستوردة.. لم لا نوزعها على اعضاء المركزية والفصائل: من غيرنا يشفق علينا ولو مرة واحدة.. ونضيف اليها يا وحدنا..
لا أحد يشفق على الضعفاء المنقسمين الموزعين على ارصفة العواصم وأقبية المخابرات الدولية.. لا احد يشفق على الفلسطيني طالما ان لا اشفاق لديه على نفسه. لا يقرأ السياسيون الشعر ولا يثقفون انفسهم فهم ختموا العلوم كلها ولا يتثاقفون وجها لوجه وانما يلجأون الى النميمة. احفظ شعارا وطنيا وسوقه على العامة.. واعقد صفقات سرية وعلنية.. اتل آية وبسمل وحوقل وأقم الصلاة وحلل وحرم وكفر وخون كما شئت.. فلا ضرر ولا ضرار.. اقتل أخاك.. تمتع بالحريم مثنى وثلاث ورباع.. فالشعب نهب لك.. والمال نهب لك.
سيبقى المثقف زقطان وضاح يسير على الرصيف الحنجلة كمن يتخطى حفر ومجاري المخيم الذي يلازمه.. وسيظل مهيب البرغوثي يبحث عن ضمان اجتماعي لشيخوخته المبكرة وعن مصلح.. وسيظل زياد خداش على وفائه للعجوز المريض الصرداوي ولطفل جريح في مدرسته.. وسيظل حسن البطل ذلك الكلمنجي والقلمنجي المكتوب الذي يوشوش في آذاننا بعض روحه صباحا ولا يسمع وشوشته.. وسنظل جميعا اوفياء للزملاء الراحلين.. ونعلم مسبقا أن لا أحد سيرثينا أو يرفع صورنا أو يقرأنا بعد حين.. من غيرنا يشفق علينا ولو مرة واحدة نردد ونحن ننزوي في مهاجعنا متحسرين.



