المرأة الفلسطينية في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة
الكاتب: كفاح مناصرة
رايه نيوز: سبعة نساء تم قتلهن هذا العام في بلدنا على خلفية ما يسمى بشرف العائلة، تتراوح أعمارهن من خمسة عشر عاما إلى الأربعين عاما وتم توثيق أربعون حالة اعتداء جنسي داخل العائلة أو من خارج العائلة ، تتراوح أعمارهن من عشر سنوات إلى الخمسين عاما. ولدينا أكثر من مائتي حالة عنف جسدي ضد النساء شهريا اللواتي يتوجهن إلى المحاكم الفلسطينية ومعظمهن متزوجات. وكانت أكثر أدوات القتل استخداما الخنق أو الطعن بالسكين أو رميا بالرصاص (حسب مصادر دائرة الطب الشرعي الفلسطيني - وزارة العدل 2010) والحالات أعلاه هي ما وصل للقضاء الفلسطيني لكنها كما هو معروف لا تعكس الأعداد الحقيقية لان هذه المواضيع وتحديدا جرائم سفاح القربى أو الاغتصاب تعتبر من المحرمات الحديث فيها أو تداولها والأسر والمجتمع يسعون جاهدين لإبقائه سرا خوفا من الفضيحة وكثير من النساء قتلن أو تم إجبارهن على الانتحار والأسباب تبقى مجهولة .
هؤلاء الضحايا برغم انه تم قتلهن بحجة الشرف، المثير هو أن يعرف الجمهور أن وثائق فحوصات الطب الشرعي الفلسطيني كشفت أن الضحايا أعلاه كن عذراوات، وبغض النظر عن الموقف من العذرية...
والسؤال الخطير الذي يطرح هنا أمام الجهات التربوية والأكاديمية المتخصصة وأمام رجال الدين وصناع القرار والمؤسسات النسوية وقادة المجتمع كيف يمكن فهم سلوك المعتدي أو المعتدين فرد أو عائلة تجاه المرأة وكيف أن هدر دم امرأة ووأدها هي الطريقة لاستعادة هذا الرجل أو تلك العائلة توازنه/هم النفسي والعقلي بتنفيذ عملية القتل؟! ألا يحتاج هذا السؤال للمعالجة من مختلف الأبعاد الثقافية والسلوكية؟!
حين تثار الشبهة حول علاقة فتاة أو امرأة ما برجل تسارع الأمهات وبعض الأهالي لإجراء فحوصات إثبات العذرية لبناتهن نتيجة تهديد ما من شخص ما في الأسرة أو العائلة الأكبر، وأحيانا نتيجة لاحتدام الصراع بغض النظر عن أسبابه فان بعضهم قد يلجئون للقتل مباشرة.
والتهديدات أو تشويه السمعة قد تكون عبر جهاز خلوي أو عبر الانترنت كما هو موثق لدى الجهات الرسمية في بعض حالات القتل. ويذكر أن العديد من الحالات التي تم قتلها كانت ضحية استخدام واستغلال تكنولوجيا الاتصالات للمساس بهن، وهذا الاستخدام البشع للتكنولوجيا اعتبر للأسف سببا كافيا لإنهاء حياة بعض النساء بحجة المحافظة على الشرف؟!
أحيانا تصل للأخ أو الأب في الأسرة أو ابن العم في العائلة الأكبر رسائل تشكيك في ابنتهم أو رسائل تهديد للأب أو للأخ الأكبر بفضحهم والتشهير بهم في إطار صراعات تتعلق بالإطار الأخلاقي للمرأة في المجتمع، وتستهدف التشكيك بعذريتها وبالطبع هو نفس الإطار الذي يبقى الطفلة والمرأة البالغة طيلة الحياة أسيرة له وبعضهم يأتون مسرعين للعيادة وعلامات الخوف والقلق تشل حركة إقدامهم وبالكاد يلتقطون أنفاسهم ولون وجوههم يميل إلى السواد ويستغيثون بالله بأن تثبت عذرية ابنتهم، يقتادون ابنتهم معهم زاحفة خائفة قلقة في أول اختبار عائلي ومجتمعي لجسدها، تمشي نحو سرير الفحص وعين على الله وعين على الطبيب وعين على الأم..... تقول الفتاة أو المرأة لنفسها لحظات وسيتأكد قدري إما الحياة أو الموت! يجري الطبيب فحصة ويعطي شهادة البراءة للابنة، فتنهمر دموع مرافقيها من الأسرة ويتعالى الشكر لله بصوت مسموع، وكأن الأسرة استعادت الحياة من خلال وجود ذاك الجزء الصغير في جسد ابنتهم (غشاء البكارة).
استند في وصفي هذا لتجربتي في مرافقة عدد من الضحايا لعيادة الفحص الطبي ولوصف الأطباء المعتمدين الذين تعتبر شهادتهم وتقريرهم مستند الحياة الذي تعتمد عليه الأسرة والأمهات خاصة، وكأهم وثيقة تعتمد عليها قرارات إطالة العمر والحياة لابنتهم ولا توجد وثيقة أيا كانت بأهمية وثيقة الطب الشرعي.
الأسر التي تلجأ الى فحص إثبات العذرية
بالرجوع إلى توثيق العديد من الحالات بحسب المصدر السابق، فان الفتيات اللواتي يتم فحص إثبات عذريتهن غالبا ما ينحدرن من عائلات لديها مستوى تعليمي واجتماعي فوق المتوسط، وهذه العائلات تلجأ إلى عملية فحص إثبات عذرية كخطوات لازمة قبل إصدار الحكم الأخير. الأمر الذي يعني أن المستوى التعليمي والمكانة الاجتماعية لهما دور كبير في عدم التسرع بإصدار الأحكام تجاه بناتهم، إضافة لوجود عامل أخر مهم تستند إليه هذه العائلات وهو وجود خبراء ومختصين مؤهلين وشهادتهم على قدر عال من المصداقية في المجتمع الفلسطيني، بمعنى آخر ، التجربة تقول أن الذين يلجئون لفحص العذرية يترددون في الإقدام على القتل بحجة الشرف، والذين لا يفحصون يلجئون للقتل ويرتكبون ما يسمى بجرائم القتل على خلفية الشرف.
دور ايجابي لرجال الدين لكنه غائب
نظام القيم في شمال البلاد لا يختلف عن جنوبها أو وسطها وللأسف رجال كثر في مجتمعنا يكرسون حصة كبيرة من وقتهم وأحاديثهم من خلال تواصلهم مع الجمهور للانتقاص من قيمة وكيانية المرأة والانتقاص من منزلتها ودورها في الحياة وحجتهم حماية المجتمع من انفلات البنات وحماية المجتمع من التبرج والخوف من حريات المرأة لأنها باعتقادهم سبب الفساد. في حين يصمت هؤلاء ولا تسمع أصواتهم الاحتجاجية ضد مظاهر قتل النساء على خلفية الشرف ويلتزمون الصمت تجاه سلب النساء حقوقهن الشرعية في الميراث أو تجاه المئات من النساء اللواتي يتعرضن للإيذاء بأشكال مختلفة.
والسؤال المهم متى سيحين الوقت كي يساهم رجال الدين من على منابرهم في وقف الميل نحو القتل على خلفية ما يسمى بالشرف وان يساهموا في تنوير المجتمع بالحاجة إلى احترام حقوق المرأة في الحياة والميراث والريادة والحق في التعليم والصحة والحركة والتنقل وغيرها من الحقوق أسوة بالرجال؟
مؤسسة الرئاسة بوضوح شديد في صف المرأة
خلال العقود الماضية طالبت المؤسسات النسوية وحقوقيين ومهنيين أن ترتقي الجهات الرسمية الفلسطينية بأدائها كي تستجيب لاحتياجات المرأة الفلسطينية وان تبادر لاعتماد منظومة من القوانين وبإجراءات كفيلة بحماية للمرأة المعنفة من مختلف أنواع العنف. وقبل عام تقريبا صادق السيد الرئيس محمود عباس ( أبو مازن)، على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة.
وزارة شؤون المرأة والمؤسسات النسوية كانت تقدمت للجهات الرسمية ذات العلاقة بطلب إلغاء العذر المحل والعذر المخفف في معالجة القضايا ذات الصلة بما يسمى بجرائم الشرف وإذا ما اخذ هذا بالاعتبار في تنفيذ العقوبات سيكون خطوة كبيرة للأمام لصالح الحد من جرائم الشرف.
ومع ذلك المؤسسات الفلسطينية الرسمية جرى ترتيبها بحيث يعمل كل جهاز حسب اختصاصه وتحديدا في قضايا العنف ضد المرأة فيقتصر التعامل والتدخل مع مظاهر العنف هذه على جهاز الشرطة والنيابة العامة دون تدخل من المؤسسات الأخرى، ففي حين تعلن الأجهزة الشرطية عن إنشاء وحدات مختصة وعن تطوير أداء العاملين وتأهيلهم ، فان هذا التأهيل يجب أن يشتمل إعداد طواقم خاصة مؤهلة في التعامل مع قضايا المرأة والعنف الموجه لها في وسائل الإعلام، فمن خلال النافذة الإعلامية لجهاز الشرطة على وكالة معا الإخبارية وضمن برنامج الشرطة في خدمتك احد أيام السبت من شهر أيلول الماضي، وحين استوضح احد المستمعين من الشرطي مقدم البرنامج عن حالات العنف التي تتعرض لها النساء والتهديد الذي يسببه لأمن الأسرة الفلسطينية ولدى سؤاله عن الاعتداءات الجنسية التي تتعرض لها المرأة قال من خلال تلك النافذة الإعلامية يجيب المستمع: ( أود أن اطمنك أن مجتمعنا يخلو من حالات الاعتداءات الجنسية داخل العائلة ولدينا حالة بين كل خمس إلى عشر سنوات)؟؟!!! والسؤال هنا هل حقا مثل هذه الإجابة تثير الطمأنة في صفوف لمجتمع؟
حضور قوي للسلطة القضائية وغياب السلطة التشريعية
جهاز العدالة من جهته عمل وسعى لتأهيل وتدريب قضاته واليوم نفاخر بان قضاتنا أمل شعبنا في العدالة يسعون جادين ولا تهمهم أية اعتبارات سوى اعتبارات العدالة في سعيهم لتحقيق العدل والمساواة للمرأة والمطلوب هنا هو إنفاذ قرارات السلطة القضائية من جهات الاختصاص في السلطة التنفيذية. ومن جهة أخرى للأسف فان واقع المؤسسة التشريعية بقي على حاله ولم يخط الخطوات المأمولة منه في تحسين الواقع القانوني للمرأة بشكل عام ولم تعالج المؤسسة ما تحتاجه البلد من تشريعات تضع حدا لا يمكن تجاوزه لظاهرة القتل على خلفية الشرف، ليس فقط بسبب حالة الانقسام الفلسطيني القائمة بل وللأسف من قبل أن يحدث الانقسام لم تواكب المؤسسة التشريعية في عملها احتياجات المرأة المتطورة واحتياجاتها لوقف الانتهاكات التي تتعرض لها، وحتى أنها لم تتناغم مع ما بلغته مؤسسة الرئاسة والجهاز القضائي من تطور لصالح المرأة حاليا .
تجدد الآمال ولكن
وإذا ما تسلحنا بالأمل الذي أثاره توقيع السيد الرئيس على اتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة والأمل الذي يثيره جهاز العدالة في بلدنا في النفوس فان التطور على هذين المستويين لم يشمل بعد أداء الأجهزة التنفيذية الشرطية والأمنية ذات الصلة بالعنف الموجه للنساء بنفس المستوى وللأسف ما تزال السياسات والإجراءات التي كانت معتمدة خلال العقود الماضية هي نفسها المنفذة حتى الآن تجاه قضايا العنف الموجه للمرأة وهي ليست في صالح المرأة بل في صالح من ينتهكون حقوقها ويعتدون عليها، ستبقى الآمال باحترام وصيانة حق المرأة في الحياة وعدم تعرضها للعنف ضعيفة طالما لم تعتمد منظومة التشريعات والسياسات والإجراءات من جهات الاختصاص المختلفة التي تحمي تلك الحقوق .
وبهذه المناسبة الهامة في اليوم العالمي لمناهضة العنف ضد المرأة فان على المجتمع الفلسطيني تجنيد مصادر الدعم لديه وهي كثيرة للتدخل وعدم الوقوف موقف المتفرج في حالات الأزمة المتعلقة بجرائم الشرف، وبإمكان مصادر الدعم المجتمعي المتوفرة تقديم بدائل أخرى غير القتل في معالجة ظواهر العنف ضد المرأة والانتهاكات التي تتعرض لها بشكل عام.



