من يحارِب "بيتَ الشرق" .. يُحارب القدس
الكاتب: عبد الله عباس عليان
تَتطايَرُ سلطات الإحتلال من التاريخ الفلسطيني، رغم كل ما لاحَ ويَلوحُ في أفُقِ ساستها، من سياسةٍ تنتهك المواثيق، المعاهدات والقوانين الدولية والإنسانية، إلى قوانين احتلاليةٍ عنصريةٍ وقراراتٍ استمَدَّت تطرفها من مُقِرّيها ومُصَدِّريها، وقبل أيامٍ قليلة، خرج علينا وزير الأمن الداخلي في حكومة الإحتلال "جلعاد أردان"، بقرارٍ موقَّع مِنه، يمدد إغلاق "بيت الشرق" في القدس المحتلة.
ليست المرة الأولى التي تمدد فيها سلطات الإحتلال إغلاق "بيت الشرق"، المغلق منذ شهر آب عام 2001، بعد سبعين يوماً من رحيل "أمير البيت" الشهيد فيصل الحسيني " أمير القدس" رحمه الله.
لا يَستَقيم الحديث عن "بيت الشرق" و "جمعية الدراسات العربية" دون ذكر "أمير البيت"، رجُل القدس فيصل الحسيني الذي جسّدَ للعالم أجمع أن القدس عاصمة الدولة الفلسطينية وهي للفلسطينيين، وأنه لا يوجد ما يسمى بـ " العاصمة الموحدة"، " الأمير" جعل من "البيت" مزاراً لممثلي الفصائل الفلسطينية، ومقراً لأبناء القدس والدبلوماسيين العرب والدوليين والمتضامنين الأجانب، وبيتاً لجميع أبناء الشعب الفلسطيني.
جمعية الدراسات العربية، التي أسسها الأمير في العام 1979 مع عددٍ من الأكاديميين والمثقفين والشعراء المناضلين، هذه الجمعية التي أُغلِقَت عدة مرات من قبل سلطات الإحتلال، ضمَّت عدداً من المراكز والمكاتب، منها مركز الجغرافيا ومكتب الإحصاء ومكتب الدراسات، ومركز المعلومات الفلسطيني لحقوق الإنسان، هدفت جميعها إلى إيقاف المَدِّ الصهيوني والإحتلالي في القدس، وإعادة المدِّ الفلسطيني.
كان "الأمير" الذي حاربه الإحتلال كما حارَب المؤسسات التي كان قد أنشأها، لإعداد الأبحاث وجمع التراث والوثائق الفلسطينية، يعمل على حفظ "الرواية الفلسطينية" من بطش الرواية الإسرائيلية.
"الأمير والبيت" خاضا معركة الوُجود الفلسطيني في القدس، وقادا معركة الصمود والبقاء، رغم كل ما تعرضا له من الإحتلال سواء أكانت مضايقات، إقامة جبرية، أو اعتقال أو إغلاق.
"الأمير والبيت" اقتحَما مَشهَد المدينة المقدسة، أوقفا مصادرة الأراضي من قبل الإحتلال، ونظرا الى القدس، وهدفا الى تعريب القدس وجعلها عاصمة فلسطينية، وقفا وتصديا للتهويد الزاحف والمكثف للقدس، وتسريب البيوت فيها، وبالتعاون مع شخصيات مقدسية عملوا على إصلاح العديد من البيوت، في البلدة القديمة.
من "بيت الشرق" وتحديداً في العام 1985، أُطلِقَت العديد من المبادرات، وإن صحَّ التعبير بدأَت مواجهة "القبضة الحديدية" التي تبنتها حكومة الإحتلال في تعاملها مع المكان والإنسان الفلسطيني في القدس، بدأت مقاومة الإستيطان والتصدي لزيارة الحرم من قبل المستوطنين، ومقاطعة البضائع الإسرائيلية، من "بيت الشرق" أسَّسَ " الأمير ورفاق دَربه" لمقاومة المشروع الصهيوني واليهودي في الأقصى.
"بيت الشرق" الذي تم بناؤه سنة 1897، من قبل اسماعيل الحسيني، والموروث من قبل عائلة الحسيني منذ ذلك الحين، حيث استطاع حامِل هذا الإرث النضالي "أمير القدس"، أن يخصصَ للقدس وقتاً وتوقيتاً خاصاً بها، هذا النشاط أقلق الإحتلال الإسرائيلي وأصابه بهاجسِ "بيت الشرق" ، مما دفع "الكنيست" إلى سَنِّ قانونٍ خاص للحدِ من فعاليات ونشاطات "بيت الشرق" ، ومنعِ العديد من الدبلوماسيين الوافدين للبيت، وطبقت عليهم حكومة الإحتلال عقوبات خاصة.
رسالة التطمينات السرية الإسرائيلية المتعلقة بالقدس الشرقية والتي أرسلها وزير الخارجية الإسرائيلي، "شمعون بيرس" إلى وزير الخارجية النرويجي "يوهان هولست"، بتاريخ 11 تشرين أول 1993، لم تعُد بالطمأنينة منذ ذلك الوقت على "بيت الشرق"، انتهاكاً لما ورد في الإتفاق الإنتقالي الفلسطيني الإسرائيلي، حَولَ أحقيَّة منظمة التحرير الفلسطينية في إدارة نشاطات وعلاقات خارجية في القدس (محددة).
المقر السياسي الأول في فلسطين، عبَّر عن الشعب الفلسطيني، كمقرٍ للحكومة الفلسطينية الإفتراضية (حكومة الحد الأدنى)، في ذلك الوقت، هذا المقر(شبه الرسميّ)، لمنظمة التحرير الفلسطينية في القدس، كان وما زال، فإغلاق "بيت الشرق" وإغلاق ما يقارب أربعا وعشرين مؤسسة فلسطينية، من قبل سلطات الإحتلال في القدس، يبيِّن للعالم أجمع أن من يحارب بيت الشرق وباقي المؤسسات الفلسطينية في القدس، يُحارب القدس، في هذه الأوقات الحرجة التي يمر فيها أبناء شعبنا الصامد في القدس، أستذكر قول الشاعر نزار قباني، حيث قال: "يا أصدقائي: جرِّبوا أن تكسروا الأبواب ، أن تغسلوا أفكاركم، وتغسلوا الأثواب".
في هذه المرحلةِ الصعبةِ، على الشعبِ الفلسطيني أن يتوحَّد وتتوحَّد جهوده، وأن يُحافِظَ على ذاكرتهِ الفلسطينية، بكافة الوسائل والطرق المشروعة والقانونية، وإلا سيحصل فينا قول الكاتب الرِّوائي الفلسطيني، سلمان الناطور رحمه الله، "ستأكلنا الضباع إن بقينا بلا ذاكرة ".

