تم تسليم الرد بأوراق مكتوبة
مصادر تكشف عن تفاصيل رد الفصائل على ملادينوف بشأن اتفاق غزة
كشفت مصادر مطلعة، تفاصيل الردود المكتوبة التي قدّمتها حركة حماس باسمها ونيابة عن الفصائل الفلسطينية إلى الممثل السامي لما يُعرف بـ"مجلس السلام"، نيكولاي ملادينوف، خلال لقاء مباشر عُقد مطلع الشهر الجاري، إضافة إلى رسائل متبادلة جرى تبادلها عبر الوسطاء، وذلك ردًا على الورقة التي كان قد قدّمها منتصف الشهر الماضي.
وتقترح ورقة ملادينوف ربط المسار الإنساني والإغاثي بالتقدّم في اتفاق وقف إطلاق النار ضمن جدول زمني يمتدّ 281 يومًا، يتخلله نزع سلاح غزة، في حين تخلو من أي ضمانات تخدم الجانب الفلسطيني، ولا تُلزم الاحتلال بما ورد في خطة الرئيس الأميركي دونالد ترامب لوقف الحرب على غزة.
وبحسب مصدر فصائلي مطّلع، تحدث لموقع "الترا فلسطين"، فإن الفصائل حرصت على أن يكون ردّها دائمًا مكتوبًا، وليس شفهيًا فقط، بهدف توثيق البنود والتفاصيل، في ظل ما تعتبره محاولات من ملادينوف للتملّص من مضامين طرحه، أو تأويل بعض النقاشات.
وأبرز ما جاء في الرّدود المكتوبة أن الفصائل أكدت، بصيغة واضحة، التزامها بقرار وقف إطلاق النار ووقف الحرب، مع التشديد على عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية قبل استكمال الاحتلال التزاماته في المرحلة الأولى، إذ نصّ الردّ في اللقاء الأول مع ملادينوف على: "إننا نؤكد التزامنا بقرار وقف النار ووقف الحرب، مع الإصرار على عدم الانتقال إلى المرحلة الثانية؛ دون أن ننهي الالتزام الإسرائيلي بالمرحلة الأولى".
المطالب الفلسطينية
وفي تفصيل هذه الالتزامات، حدّد الردّ جملة من الشروط الواجب على الاحتلال تنفيذها خلال المرحلة الأولى، أبرزها: "الوقف التام لجميع العمليات العدائية التي تستهدف أبناء الشعب الفلسطيني في قطاع غزة، وفتح المعابر بشكل كامل أمام دخول المساعدات الإنسانية دون شروط، لا سيما احتياجات الإيواء والمنظومة الصحية، إضافة إلى ضمان حرية حركة المسافرين ذهابًا وإيابًا دون تدخل إسرائيلي، وفقًا للاتفاق المبرم تحت رقابة أوروبية، إلى جانب وضع جدول زمني لاستكمال الانسحاب الإسرائيلي من خلف الخط الأصفر وصولًا إلى الحدود الدولية بين قطاع غزة والمستوطنات".
وفي ما يتصل بالمرحلة الثانية، شدّدت الفصائل على ضرورة تحديد جدول زمني واضح لتنفيذها، بعيدًا عن الطرح الفضفاض أو اختزالها في مسألة "سحب السلاح". وأوضح مصدر مطّلع أن الردّ اعتبر المدخل الأساسي لهذه المرحلة يتمثّل في تمكين لجنة وطنية فلسطينية لإدارة قطاع غزة، وتوفير الموازنات اللازمة لعملها، باعتبارها إطارًا يعكس إرادة الفلسطينيين في إدارة شؤونهم بأنفسهم، إذ جاء فيه: "اعتُبر أن المدخل الأساسي للمرحلة الثانية يتمثل في دخول اللجنة الوطنية الفلسطينية لإدارة قطاع غزة، ومنحها الموازنات اللازمة لأداء مهامها، على اعتبار أنها تمثل إرادة الشعب الفلسطيني في إدارة شؤونه بنفسه".
كما أبرز الردّ أهمية تكريس الارتباط السياسي والكياني بين الضفة الغربية وقطاع غزة. ونصّ في هذا السياق على: "نؤكد على أهمية ارتباط اللجنة الوطنية بالسلطة الفلسطينية ومنظمة التحرير الفلسطينية، بما يعزز وحدة الضفة الغربية وقطاع غزة، ويؤكد وحدة الشعب الفلسطيني في كلّ مكان".
وفي جانب آخر، أشار الردّ إلى معطيات تفيد بجمع ما يقارب 17 مليار دولار من قبل "مجلس السلام"، مطالبًا بتوجيه هذه الأموال نحو إعادة إعمار قطاع غزة، وإعادة تأهيل بنيته التحتية، وتوفير الخدمات الأساسية، بما يسهم في التخفيف من الأوضاع الإنسانية للسكان.
وفي ما يتعلق بطرح القوّة الدولية، أوضح المصدر أن الفصائل طالبت بإجابات واضحة حول مسائل عديدة، إذ قال مصدر: "نطالب بتقرير واضح حول مآلات تشكيل قوة الاستقرار الدولية، وطبيعة تركيبتها، وآلية انتشارها، وما إذا كان سيتم ذلك دفعة واحدة أم على مراحل وفق ترتيبات معينة".
وشدّدت الفصائل في ردّها على ضرورة أن يكون انتشار هذه القوة شاملًا، بما يضمن تشكيل حاجز فعلي بين قوات الاحتلال وسكان قطاع غزة، ويسهم في توفير حماية حقيقية للمدنيين من الاعتداءات.
كما أشار المصدر إلى جملة من التساؤلات التي طرحت ولم تتلقَّ إجابات حتى الآن، من بينها "توقيت نشر قوات الشرطة التي يُفترض أن تتولى إدارة الأمن العام في القطاع، في ظل استمرار استهدافها من قبل الاحتلال".
وأضاف مصدر: "على ملادينوف أن يوضح التفاصيل حول طبيعة عمل قوّات الشرطة التي ستتولى إدارة الأمن العام في القطاع، خاصة بعد إعلان سابق عن جهوزية أفراد الشرطة المدرّبين في مصر والأردن للحضور إلى القطاع".
وأكدت الفصائل أن هذه القضايا طُرحت بشكل رسمي ومكتوب، وليس شفهيًا، بهدف تثبيت موقف فلسطيني موحّد، مشيرة إلى أن هذا الطرح يحظى بإجماع القوى المشاركة، رغم غياب حركة فتح والسلطة الفلسطينية عن اللقاءات، مع التأكيد أن هذا الموقف، وفق التقدير الفصائلي، لا يتعارض مع توجهات الحكومة الفلسطينية ما دام يصب في مصلحة سكان قطاع غزة.
السلاح كـ "عنوان واختبار"
وفي ما يتصل بملف السلاح، أوضحت الفصائل أنها أبلغت ملادينوف بشكل صريح أن هذا الملف ليس جوهر الأزمة، بل إن جذورها تكمن في استمرار الاحتلال وما خلّفه من دمار وحصار متواصل، أفضى إلى تفاقم الأوضاع الإنسانية في مختلف مناحي الحياة، إذ جاء في ردّها: "إن السلاح ليس جوهر الأزمة، بل إن جوهرها يتمثل في الاحتلال وما خلّفه من دمار وحصار مستمرّ ولّد معاناة إنسانية لدى السكان في الجانب الغذائي، والطبي، وكل ما يشمل تفاصيل الحياة".
وأضافت الفصائل أن معالجة مسألة السلاح تبقى ممكنة ضمن إطار سياسي واضح، يضمن الأمن والكرامة والمصالح الوطنية، وبموجب ضمانات دولية، على أن يجري لاحقًا تحديد طبيعة السلاح المقصود بشكل صريح، سواء كان فرديًا أو ثقيلًا، أو مرتبطًا بالبنية التحتية العسكرية، بما في ذلك الأنفاق.
وبحسب المصادر، فإن ملادينوف طلب خلال اللقاء تزويده بـ"خرائط الأنفاق" في قطاع غزة، إلا أن الفصائل امتنعت عن التعاطي مع هذا الطلب، مؤكدة في ردّها: "أن هذا الملف لا يمكن بحثه بشكل منفصل عن مجمل قضية السلاح، التي يجب التعامل معها بصورة شاملة، تتضمن تحديد نوع السلاح، وآلية التعامل معه، والجهة التي سيسلّم إليها".
وأشارت الفصائل إلى أن بعض الطروحات المتداولة، بما فيها ما يُعرف بورقة ترامب، تتناول فكرة "تحييد" السلاح، أي جمعه في مستودعات، وهو ما يثير تساؤلات جوهرية بشأن الجهة المشرفة على هذه المستودعات، وطبيعة الضمانات المرتبطة بها، مؤكدة أن الحسم في هذا الملف يبقى مرهونًا بوجود أفق سياسي واضح.
وبحسب المصدر، ربطت الفصائل أي نقاش حول السلاح بإنجاز انسحاب إسرائيلي كامل من قطاع غزة، مؤكدة أن الحديث عن تسليمه يظل غير قابل للبحث في ظل استمرار التصريحات الإسرائيلية التي تتحدث عن إعادة اجتياح القطاع وفرض وجود دائم فيه. وفي هذا السياق، دعت الفصائل نيكولاي ملادينوف، بصفته ممثلًا لما يُعرف بـ"مجلس السلام"، إلى تقديم توضيحات صريحة إزاء هذه المواقف الإسرائيلية.
وأفادت الفصائل باستمرار تبادل الأوراق مع ملادينوف حتى مساء الإثنين الماضي (العشرين من الشهر الجاري)، مشيرة إلى أن المقترح الأخير الذي قدّمه منتصف الشهر أخذ ببعض الملاحظات الفلسطينية المشار إليها، إلا أنه لا يزال "دون مستوى التطلعات"، وهو ما اعتبرته أمرًا طبيعيًا في سياق المفاوضات.
وأكدت الفصائل أنها ربطت مسألة السلاح بالمرحلة الثانية، باعتبارها جزءًا من حزمة متكاملة، تشمل تحديد سقف زمني لإنهاء المرحلة الأولى، وترتيب خطوات المرحلة الثانية، بدءًا من دخول اللجنة الوطنية، وانتشار الشرطة، وتفعيل قوة الاستقرار، والشروع في إعادة الإعمار تحت إشراف فلسطيني. وفي المقابل، شدّدت الفصائل على أن جوهر الإشكالية لا يكمن في تبادل المقترحات بحدّ ذاته، بل في غياب وضوح الموقف الإسرائيلي، وانعدام الضمانات الكفيلة بتنفيذ أي تفاهمات يتم التوصل إليها.
وشدّدت الفصائل في ردّها على اعتماد مبدأ "خطوة مقابل خطوة"، بما يضمن توازي الالتزامات، وعدم مقاربة ملف السلاح إلا بالتزامن مع انسحاب إسرائيلي فعلي من قطاع غزة. وفي هذا السياق، أكدت أن طرح الوسطاء لأوراق تفاوضية وصيغ مقترحة لا يُعد كافيًا بحدّ ذاته، ما لم يقترن بإعلان واضح وصريح من الجانب الإسرائيلي يلتزم فيه بتنفيذ ما يترتب عليه ضمن المرحلة الأولى من الاتفاق.
بحسب مصادر "الترا فلسطين"، قالت الفصائل في تواصلها مع ملادينوف إن "سياسة التهديد والإنذارات لن تحقق للاحتلال ما عجز عنه بالحرب، وإن الشعب الفلسطيني الذي قدّم تضحيات كبيرة لن يقبل التفريط بكرامته الوطنية تحت الضغط".
واختتمت الفصائل بالتأكيد أن ردّها "يمثّل إجماعًا بين القوى المشاركة في حوارات القاهرة، ويعكس موقف لجنة المتابعة للقوى الوطنية والإسلامية في غزة"، مشيرة إلى أنها تثمّن دور الوسطاء، وفي مقدمتهم مصر وقطر وتركيا، في تقريب وجهات النظر، واعتبارهم أطرافًا غير منخرطة في الصراع، وهو ما وصفته بأنه يترك ارتياحًا فلسطينيًا.

